من السهل دائماً إلقاء اللائمة على الحرب، والتحصّن خلف شماعة الظروف الاستثنائية، لكن في السياسة وفلسفة الحكم، هناك حد فاصل بين عجزٍ تفرضه قسوة الواقع، وبين فشلٍ إداري وسياسي متعمد يتشح برداء الأزمة ويمتهن صناعتها. ما يحدث اليوم في المحافظات المحررة تجاوز منطق الحرب إلى منطقة أخطر؛ حيث تحول الفشل الإداري والخدمي إلى “سياسة أمر واقع”، وأصبح المطلوب من المواطن المطحون في عدن وتعز وحضرموت ليس فقط أن يتحمل الجوع والظلام، بل أن يصفق لمنظومة عاجزة تسوّق بؤس المعيشة كقدر حتومي لا فكاك منه، وتطالبه بـ “صبر استراتيجي” ليس في الواقع سوى غطاء لغياب الإرادة السياسية.
من يراقب أزقة عدن، وشوارع تعز، وسواحل حضرموت، يدرك على الفور أن الأزمة لم تعد نتاج الصدفة أو الحرب فحسب. المواطن الذي يكتوي بهجير الصيف اللاهب بلا كهرباء، ويطارد جرعة مياه صالحة للشرب، ويشاهد مدخراته وعرقه يتلاشيان مع كل قفزة جنونية لأسعار الصرف، لا يحتاج إلى خطابات إنشائية، أو تبريرات فضفاضة تعزو العجز المستمر إلى توقف التصدير النفطي. فالشعوب لا تُحكم بالأعذار، والدول لا تُدار ببيانات الاستجداء الإسعافية والمنح المؤقتة التي تذهب كالجمر في مهب الريح. القائد الحقيقي هو من يجترح الحلول من قلب الركام، ومن يتقاسم مع رعيته شظف العيش على الأرض، لا من يدير الأزمات الوجودية من صالونات العواصم الدافئة عبر الشاشات والمراسلات الافتراضية.
إن أشد ما يستفز المنطق في هذا المشهد هو تلك الأصوات التي تحاول إلباس الفشل ثوب الحكمة، وتطالب الضحية بتقديم آيات الشكر والامتنان لمجرد أن الجلاد يحمل صفة “الشرعية”. أي شرعية هذه التي تقف مكتوفة الأيدي, عاجزة عن ضبط سوق المضاربة بالعملة وإيقاف نزيف الاقتصاد؟ وأي شرعية تترك مدناً بأكملها تغرق في الظلام والفقر، بينما يتضخم نفوذ البطانة، وتتضاعف مخصصات المحاصصات الحزبية والمناطقية؟ إن التذرع بالخلافات البينية داخل مجلس القيادة الرئاسي، أو تكبيل يد الحكومة، لم يعد عذراً مقبولاً ولا بضاعة رابحة في سوق السياسة. الصراع على النفوذ والإيرادات في غرف مغلقة، بينما يصارع المواطن البسيط للبقاء على قيد الحياة، هو قمة الارتهان والإفلاس الأخلاقي.
الدفاع عن هذا الواقع المتردي ليس حماية لمؤسسات الدولة كما يزعم المستفيدون، بل هو تشريع لاستدامة العبث، ومنح صك غفران مفتوح لمنظومة الفساد كي تواصل التهام ما تبقى من عصب الحياة في هذا الوطن. الانحياز الحقيقي للشرعية لا يكون بعبادة شخوصها، ولا بتبرير خطاياها الكارثية، بل بتقويم اعوجاجها الفاضح بجرأة الأقلام الحرة والضغط السياسي المستنير، لتطهيرها من المتربحين وتجار الحروب. التاريخ لا يجامل أحداً، وهو يسجل اليوم بمداد من خزي كل من برر معاناة هذا الشعب أو حاول تجميل القبح الإداري. لقد حان الوقت لتدرك هذه المنظومة الحاكمة أن من يعجز عن خدمة شعبه وحمايته من غوائل الجوع والمرض، ليس له من خيار سياسي أو أخلاقي سوى الترجل والرحيل؛ فاليمن عظيم بولادته، ولن يعدم الكفاءات والرجال الأوفياء القادرين على انتشاله من هذا الوضع المزري.
