صيف إب بنكهة الابتزاز.. موسم واعد يختنق بالجبايات الحوثية ويهدد بإفلاس المنشآت السياحية

صيف إب بنكهة الابتزاز.. موسم واعد يختنق بالجبايات الحوثية ويهدد بإفلاس المنشآت السياحية


تستقبل محافظة إب، وسط اليمن، موسم الصيف برداء أخضر يكسو مدرجاتها الجبلية الشاهقة وشلالاتها المتدفقة التي جعلت منها تاريخياً الوجهة السياحية الأولى للبلاد وقبلة مفضلة لآلاف العائلات الباحثة عن الطقس المعتدل والأجواء الطبيعية الساحرة.. لكن هذا الجمال الرباني بات محاصراً منذ سنوات بشبكات واسعة من الفساد المنظم والابتزاز المالي الخانق الذي تفرضه المليشيا الحوثية عبر أجهزتها القمعية ومكاتبها التنفيذية الخاضعة لسيطرتها المطلقة، حيث تحول الموسم السياحي الواعد من رافد اقتصادي للمجتمع المحلي إلى موسم سنوي للجبايات والإتاوات الإجبارية التي تذهب عائداتها لتمويل أنشطة المليشيا الطائفية وحسابات قياداتها النافذة.

من مكتب تنفيذي إلى شركة عائلية 

في عمق هذا المشهد القاتم يبرز مكتب السياحة بمحافظة إب كنموذج صارخ لعملية تجريف مؤسسات الدولة وتحويلها إلى كيانات خاصة تدار بعقلية العصابات، حيث يقف على رأس هذا المكتب المتحوث غانم عوسج، وهو منتحل صفة مدير عام مكتب السياحة والمعين من قبل المليشيا الحوثية لإدارة هذا القطاع الحيوي رغم افتقاره التام لأي مؤهلات مهنية أو خبرات سابقة في المجال السياحي أو الإداري، ولم يكن هذا التعيين سوى مكافأة على الولاء العقائدي للمليشيا ليتحول المكتب في عهده إلى ما يشبه الشركة الاستثمارية الخاصة به وبعائلته وأنسابه وأتباعه المقربين الذين يتقاسمون المناصب الحيوية وفرق التفتيش الميدانية لضمان إحكام السيطرة على حركة الأموال والمتجولين في المنشآت السياحية دون أي رقابة قانونية أو محاسبة مؤسسية.

حملات ابتزاز ممنهجة 

ومع بداية كل صيف وتدفق الزوار إلى المحافظة يدشن مكتب السياحة الحوثي حملات ميدانية واسعة النطاق تحت مسميات مضللة مثل ضبط الجودة وتراخيص العمل والتفتيش الصحي، لكن الهدف الحقيقي والوحيد لهذه الحملات يكمن في فرض مبالغ مالية باهظة وإتاوات تعسفية غير قانونية على كافة المرافق السياحية في المحافظة، حيث تعاني الفنادق والمنتجعات السياحية الكبرى والمنتزهات والحدائق الترفيهية من ابتزاز يومي مستمر وضغوط خانقة تهدد بإغلاقها في حال الرفض أو التباطؤ في دفع المبالغ المطلوبة والتي يتم تقديرها بشكل جزافي ومضاعف يفوق قدرة هذه المنشآت على الاستمرار في تقديم خدماتها للمواطنين بأسعار مناسبة.

خصخصة الطبيعة وفرض مكوس على المرتفعات والمداخل

ولم تتوقف شهية الجبايات الحوثية عند حدود المنشآت الاستثمارية المبنية بل امتدت لتطول الطبيعة البكر والمساحات المفتوحة التي منحها الخالق لعامة الناس، حيث أقدمت المليشيا عبر فرقها الميدانية على تحويل المرتفعات الجبلية الشهيرة ومطلات الأودية والمنافذ الطبيعية والمداخل المؤدية إلى المواقع السياحية البارزة مثل شلال المشنة ومشورة وبعدان ووادي عنة ووادي الدور إلى نقاط تحصيل جمركية وضريبية مستحدثة، يجبر المواطنون والزوار على دفع رسوم دخول غير قانونية لمجرد المرور أو الاستمتاع بالمناظر الطبيعية والتقاط الصور الفوتوغرافية، مما تسبب في موجة استياء عارمة بين السكان والوافدين الذين باتوا يشعرون بأن المليشيا تحصي عليهم أنفاسهم وتفرض جمارك على الهواء والمطر في اللواء الأخضر.

تضييق خانق يطول مكاتب السفر والنقل

القطاع المرتبط بحركة السفر والنقل السياحي لم يكن بمنأى عن هذه السياسة التدميرية الشاملة، حيث تشن المليشيا عبر مكاتبها المعنية حملات موازية للتضييق على مكاتب السفر وشركات النقل الجماعي والسياحي العاملة في المحافظة وتفرض عليها حزمة من الشروط التعجيزية والمعاملات الورقية المعقدة بهدف ابتزاز ملاكها وإجبارهم على دفع مبالغ مالية شهرية وتحت مسميات دعم المجهود الحربي أو تجديد التراخيص بأسعار خيالية، مما أدى إلى عرقلة حركة التنقل الداخلي وارتفاع تكاليف تذاكر السفر والرحلات السياحية بشكل جنوني أثقل كاهل الأسر اليمنية وضاعف من عزلة المحافظة سياحياً.

أموال السياحة في خدمة الأنشطة الطائفية للمليشيا

أخطر ما يكشفه هذا الواقع المأساوي هو مصير تلك الملايين الطائلة التي يتم جبايتها بقوة السلاح والترهيب من ملاك المنشآت السياحية والمواطنين على حد سواء، إذ تؤكد المصادر المحلية المتطابقة أن هذه الأموال الضخمة لا يعاد استثمارها مطلقاً في تحسين البنية التحتية للمحافظة أو صيانة الطرق المتهالكة المؤدية إلى المنتزهات أو تنظيف الشوارع وتحسين الخدمات الأساسية، بل تذهب مباشرة لدعم وتمويل الفعاليات والأنشطة الطائفية والمناسبات السنوية المستوردة التي تقيمها المليشيا الحوثية على مدار العام لحشد المقاتلين ونشر الأفكار الدخيلة على المجتمع اليمني، بالإضافة إلى تحويل جزء كبير من هذه العائدات إلى الحسابات البنكية الخاصة بغانم عوسج والدائرة الضيقة المحيطة به من الأقارب والمشرفين القادمين من خارج المحافظة، ناهيك عن ملايين الريالات التي تورد مركزياً إلى صنعاء لقيادات المليشيا.

تدمير البنية الاستثمارية وهروب رأس المال الوطني

هذه السياسة الممنهجة القائمة على الابتزاز والنهب والجبايات المتواصلة أدت إلى نتائج كارثية على بيئة الاستثمار في محافظة إب التي كانت تعد من أكثر المحافظات جذباً لرؤوس الأموال اليمنية والمغتربين، حيث تسببت هذه الممارسات في إغلاق العديد من المشاريع السياحية الصغيرة والمتوسطة وإفلاس ملاكها، فيما فضل مستثمرون كبار تجميد أنشطتهم أو نقل استثماراتهم إلى خارج مناطق سيطرة المليشيا الحوثية هرباً من البطش المالي والاضطهاد الإداري الذي يمارسه مكتب السياحة الحوثي، مما أدى إلى فقدان آلاف الشباب لفرص عملهم الموسمية والدائمة وتدهور الوضع المعيشي لقطاع واسع من أبناء المحافظة الذين يعتمدون على الموسم الصيفي كمصدر دخل رئيس لهم.

موسم صيفي بنكهة المعاناة والاضطهاد

تصر مليشيا الحوثي وأدواتها الفاسدة في إب على إفساد بهجة اليمنيين بموسم الصيف وتحويل عاصمة اليمن السياحية ورئتها الخضراء من ملاذ للمتعبين والباحثين عن الجمال والسكينة إلى ساحة مفتوحة للجباية والنهب المنظم والتضييق على الحريات العامة، حيث تعكس ممارسات غانم عوسج وشبكته العائلية الوجه الحقيقي للمشروع الحوثي الذي لا يرى في مقدرات البلاد وثرواتها ومعالمها الطبيعية سوى غنائم حرب ووسائل إثراء شخصي لتمويل استمرار الحرب والدمار على حساب حياة المواطنين وأرزاقهم ومستقبل أجيالهم، في ظل صمت وتواطؤ يشجع هذه العصابات على الاستمرار في غيها وتدمير ما تبقى من مظاهر الحياة المدنية والسياحية في اليمن.



Source link

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *