«الديواني الجلي».. حروفٌ تنطق بالجمال - ستاد العرب

0 تعليق 0 ارسل طباعة تبليغ حذف

الشارقة: جاكاتي الشيخ

تشكل المضامين أهم الأسس التي ترتكز عليها الأعمال الفنية في الخط العربي؛ لأن اللوحة في الغالب تجسيد لتلك المضامين، خاصة لدى المبدعين المتمرّسين، الذين يدركون أن جوهر هذا الفن يكمن في رسم الحرف، في هيئة شاعرية تجعل الكلمات ناطقة رغم صمتها، لتهمس في أذن المشاهد، بما يجعل جمالها يتغلغل مداعباً أحاسيسه، كما نرى في أعمال الفنان السوري عامر سليمان سعدون.
كان للخبرة الميدانية التي اكتسبها سعدون، دور كبير في صقل موهبته الإبداعية في مجال الخط العربي، فرغم اهتمامه بهذا الفن العريق منذ صغره، وتشبّعه بجمالياته الأصيلة من خلال تعلّم أنواعه التقليدية المختلفة، وممارسته لها عبر كتابة العديد من أعماله بها، إلا أن تجربته في نقل تلك الجماليات إلى غيره من المتعلّمين الجدد زادت من توهّج قدراته؛ حيث جعلته يدقّق فيها بشكل أعمق، فما فتئ يعكسها في أعمال متجدّدة كان لها إسهام كبير في الكشف عن المزيد من مميزات هذا الفن؛ لأن شعاره في الحياة أن لا شيء مستحيل، وأن الاستمرار في التعلم هو الذي يحثُّ الفنان على الإبداع، حيث يعمل بجد وصبر لتحقيق نجاح دائم، ويمكننا أن نستشف ذلك من خلال لوحته التي تتناولها هنا.

* استرسال

إن النص الذي اختاره الفنان سعدون هو حديث نبوي شريف، روى الحسن بن علي، رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، علّمه إياه، ليقوله في قنوت الوتر، ونَصُّه «اللَّهمَّ اهدِني فيمن هديت، وعافِني فيمن عافيتَ، وتولَّني فيمن تولَّيتَ، وبارِك لي فيما أعطيتَ، وقني شرَّ ما قضيتَ، إنَّكَ تقضي ولا يقضى عليْكَ، وإنَّهُ لا يذلُّ من واليتَ، ولا يعزُّ من عاديتَ، تبارَكتَ ربَّنا وتعاليتَ»، وقد كتبه سعدون بخط الديوان الجلي؛ لإدراكه بأنه من أنسب الخطوط لكتابة هذا الشكل من النصوص المسترسل في كلمات تتشابه في هيئتها، وهيئة حروفها، وهو ما يتيح تجسيدها في قالب جمالي بديع، وذلك لأن هذا الأسلوب الخطي يستمدّ جماليته من عدة خصائص مميّزة، منها استدارة حروفه وتقويسها وتداخلها، وكثرة العلامات الزخرفية التي تملأ الفراغات بينها، وهي مميزات قد تكون على حساب سهولة قراءة المتلقي للوحة أحياناً، حتى إنه قد يصعب التمييز بين بعض حروفه، مثل الألف واللام إن كانا في بداية الكلمة، إلا أنها تكسبه هيئة جمالية خاصة، بالإضافة إلى أن هذا الخط قابل لتنويع التصاميم، مثل شكل التكوين الذي اختاره سعدون لهذه اللوحة.

* تدرّج تصاعدي

نفذّ سعدون خطّ لوحته في تدرّج تصاعدي، وهي من أروع الطرق للكتابة بخط الديواني الجلي، نظراً لخصائصه وطبيعة حروفه، فانطلق من اليمين، وكتب «اللَّهمَّ» في هيئة ضخمة توحي بالرهبة والرغبة اللتين تتملكان العبد وهو يتوجه إلى ربّه بالدعاء، وقد بدا شكل ألف تعريفها مشابهاً لحرف اللام، كما تقضي خصائص الديواني، وكتب «اهدِني» مائلة في حضن «اللهم»؛ لأن الهداية هي أول ما يتكئ فيه المؤمن على عبادة ربّه، ثم كتب «فيمن» مستلقية على سابقتها، و«هديت» مستلقية عليها، ليتم معنى هذا الرجاء، وليشير إلى خصوصية من يهديه الله، وكتب «و» في الأعلى وأتبعها بـ «عافِني»، التي كتب مقطعها الأول في نفس المستوى؛ للدلالة على قيمة العافية، وليسهل على المشاهد ربط الدعاء، والاسترسال في قراءته، ويحقق تناسقاً بين رؤس بعض الحروف المتشابهة، وكتب «فيمن» كما كتبها سابقاً، وهو ما طبّقه كذلك في كتابة «عافيتَ»، لذات الدلالة، ثم كتب «و» بنفس الطريقة السابقة، وكتب «تولَّني» متوسطة لما حولها من الكلمات، ليوحي إلى المشاهد بالمعنى الدقيق للكلمة التي يرغب الداعي من خلالها في أن يشمله الله في كنف فضله، وكتب «فيمن» كسابقتيها، و«تولَّيتَ» مثل الكلمتين السابقتين المشابهتين لها في الدور.
وكتب «و» كما سبق وكما سيأتي في كل الواوات، و«بارِك» ماداًّ حرفين منها نحو الأعلى، وجاعلاً راءها مستلقية نحو الأسفل، محقّقة بذلك تناسقاً بصرياً مع الواو والخط المقوس أعلى متن التكوين، إشارة إلى نقطة تحول أسلوب الدعاء من طلب المفقود إلى طلب حفظ الموجود بمباركته، وكتب «لي» و«فيما» منخفضتين، فيما كتب «أعطيتَ» موازية لـ «بارك» اعترافاً بعطاء الله، وكتب الواو، وكتب «قني» في الأعلى و«شرَّ» تحتها، للإيحاء برغبة الداعي في السلامة من الشر، وكتب «ما قضيتَ» مُركّبتين لإتمام المعنى، و«إنَّكَ» بطريقة كتابة «بارك» لتحول أسلوب الدعاء ثانية، حيث كتب كلمات «تقضي ولا يقضى عليْكَ» في كتلة واحدة، وهو ما فعله مع «وإنَّهُ لا يذلُّ من واليتَ»، وكرّره مع «ولا يعزُّ من عاديتَ»، وكلها في أسلوب تأكيد تحقيق الرّبوبية، فيما كتب كلمات «تبارَكتَ»، و«ربَّنا»، و«وتعاليتَ» بشكل متوالية تصاعدية، توحي بالتوجه بالدعاء إلى الله في عليائه.
وقد استطاع في كل ذلك تجسيد مضامين نصه في هيئة فنية متقنة، دون أن يتكلّف الإسراف في تنويع ألوان الحبر والخلفية.

* إضاءة

ولد الخطاط عامر سليمان – المعروف فنياً بلقب الطيب عامر – سنة 1971م، وهو فنان ومستشار إبداعي للفنون والوسائط المتعددة، ويعيش في الإمارات منذ أكثر من 20 عاماً، وعضو في جمعية الفنون الجميلة السورية، وجمعية الإمارات لفن الخط العربي والزخرفة، وشارك في العديد من المعارض المحلية والدولية، منها: ملتقى الشارقة للخط العربي، وبينالي الدار البيضاء، ومعرض فردي بعنوان «لون الأمل» في دبي، وله العديد من الأعمال، كما ينشط في تقديم العديد من الدورات الخطية لدى مؤسسات ثقافية مختلفة.

أخبار ذات صلة

0 تعليق