على الطريق إلى القمة.. عناوين توقفت عندها - ستاد العرب

0 تعليق 0 ارسل طباعة تبليغ حذف

حصلت مقدماً القمة العربية القادمة على صفة الاستثنائية، لأنها تنعقد في غير المواعيد المقررة ولأسباب أخرى. عاصرت ظروف انعقاد قمم عربية كثيرة وأستطيع وبثقة كبيرة أن أحكم على هذه القمة، إن عقدت، بأنها ستكون بالفعل استثنائية إذا قارنا ظروف ودواعي عقدها بظروف ودواعي عقد معظم القمم الطارئة والاستثنائية السابقة. لا أبالغ إن قلت إن هذه القمة قد تكون الوحيدة التي تعقد، لأن الشعوب دعت إلى عقدها قبل أن تعلن الحكومات عن نية دعوتها إلى الانعقاد.
إن مجرد التفكير في هول ما وقع خلال الشهور الأخيرة كان في ظني كافياً لتتصدر الشعوب بغضبها وانفعالاتها وصدق مشاعرها الدعوة إلى عقد قمة استثنائية، قمة تختلف في كل شيء عن القمم السابقة بما فيها القمم الطارئة والاستثنائية.
أتصور أن العلاقة الثلاثية، أمريكا- إسرائيل من ناحية والحكومات العربية من ناحية ثانية والشعوب العربية من ناحية ثالثة، على أهميتها ليست سوى أحد العناوين الرئيسية التي صاحبت، خلال الأيام الأخيرة، مسيرة الأزمة الدافعة لعقد قمة عربية استثنائية، من العناوين المهمة الأخرى ما يلي:
أولاً: استئناف عملية تهجير الفلسطينيين في الضفة الغربية. كان الظن أن القمة الاستثنائية مخصصة لتطورات غزة؛ فإذا بإسرائيل تفجر من جديد قضية تهجير سكان الضفة برضاء أو تشجيع أمريكي، تأكد هذا الرضاء أو التشجيع بصفقة القنابل واسعة التدمير التي أقرها الرئيس ترامب قبل أيام قليلة. قيل فيها، ربما للتعمية، أن القنابل الثقيلة هدفها معامل تطوير السلاح الذري في إيران وقيل فيها أيضاً، عن تجربة أليمة في قطاع غزة، أن هدفها تهجير سكان مخيمات طولكرم وجنين. أما إذا كانت القنابل حقاً لمعامل إيران فهذا يعني تطوراً في حد ذاته له خطورته ومغزاه، أما المغزى فهو أن الشرق الأوسط الجديد دخل بالفعل مرحلة أكثر تطوراً وأقرب إلى الاكتمال ولإسرائيل فيه مكانة «القطب الإقليمي المهيمن».
ثانياً: ترددت في الآونة الأخيرة عبارات صار لها مغزى حقيقي ولم تعد مجرد مفاهيم نظرية يلهو أو يتباهى بها علماء السياسة.
اخترت من هذه المفاهيم مفهوم «الغموض الاستراتيجي» لما له من وقع آخاذ في نفسي، وبخاصة بعد أن أزاحه جانبا المفهوم الآخر «اليقين الاستراتيجي». أمور وتطورات كثيرة تعودنا على امتداد الصراع الفلسطيني الإسرائيلي تصنيفها ضمن الكثير مما وضعناه تحت مفهوم الغموض الاستراتيجي. كل ما لم نفهمه وكل ما خفنا منه وكل ما تفادينا حمل وزره وكل ما تهربنا من مواجهته، كله وغيره كثير صنفناه تحت عنوان الغموض الاستراتيجي، عنوان له هيبة. ومع ذلك امتدت يد الاحتلال لتحتل في الآونة الأخيرة أراضي جديدة من دول عربية متاخمة أو قريبة من حدود إسرائيل.
ثالثاً: اكتشفنا أيضاً ونكتشف كل يوم نقضيه في انتظار عقد القمة العربية أن العالم من حولنا ليس هو العالم الذي نشأنا فيه وارتبطنا به حلفاء كنا أم أصدقاء أم ضمن ركب طويل وعريض لا نعرف تماماً هوية صاحبه. اكتشفنا مثلاً أن الغرب ليس الغرب الذي عرفناه. الغرب الجديد ليس موحداً داخل كلياته أو حتى داخل أجزائه. حلف الأطلسي يواجه تحديات يكاد بعضها يتسبب في تفكيكه أو تغيير هويته. من هذه التحديات السرعة التي يتحقق بها التفاهم الروسي الأمريكي يقابله تلكؤ مخيف في صنع الأمن الأوروبي. خاب أملنا في العائد لنا بصفتنا أمة عربية ودولاً لا يزال أغلبها يعاني مشكلات النمو المتثاقل والتوسع الإسرائيلي.
رابعاً: بدا لنا من خلال أعاصير الأيام الماضية، أن الدولتين الكبيرتين الساعيتين إلى مكانة ووظيفة القطب الدولي وأقصد روسيا والصين، لم يقدما ما كنا نأمل أن يقدما لتخفيف الضغط الإسرائيلي على النظام الإقليمي العربي وعلى دول أخرى في الشرق الأوسط. سمعت من أكثر من باحث وزميل في مواقع مهمة في الدولتين رجاء أن نقدر أن الدولتين وبخاصة الصين لم تتح لهما فرصة تقدير طبيعة وعواقب الدور الذي تقوم به إسرائيل في صنع السياسة الخارجية الأمريكية، ومن ثم، في صنع العالم الذي نعيش فيه.
سمعت منهم ما صرت أسمعه بكثرة منطوقاً بلسان الاقتصادي المعروف جيفري ساكس، عن هذا الموضوع. هو نفسه صاحب الخبرة الطويلة والعريضة في مؤسسات صنع السياسة في أمريكا يعترف بعجزه عن فهم طبيعة العلاقة بين نتنياهو وقادة النخبة الحاكمة في أمريكا منذ نهاية القرن الماضي. أحدهم، وأقصد أحد الأصدقاء في الصين، انتظر مني أن أتفهم ورطتهم العويصة في التعامل مع سياسيين أمريكيين تحركهم قوى إسرائيلية غير محددة الأوصاف والمعالم، لكن بالغة القوة والنفوذ كلما أثيرت بينهم وبين الأمريكيين مسألة تتعلق بالشرق الأوسط.
أتفهم حاجة بعض الحكومات العربية إلى وقت إضافي يسمح لها بفهم أفضل لمطالب ونوايا أمريكا وإسرائيل. لم تعد غائبة عنها خفايا الدور المزدوج الذي أدته ببراعة مكشوفة الدبلوماسية الأمريكية حين اقترحت أو فرضت نفسها، وهي طرف أصيل، وسيطاً في الصراع الفلسطيني الإسرائيلي. ولم يكن غائباً تعيين مبعوثين للرئيس الأمريكي أو لوزير خارجيته من مزدوجي الجنسية أو من ضباط الاحتياط في جيش إسرائيل. الجديد في هذا الموضوع هو تسرب أنباء عن بعض نوايا وإمكانات كافة الأطراف ومنها القمة العربية المزمع عقدها بعد أيام، لإصدار بيان يهدئ المشاعر ويتيح مزيداً من الوقت لترتيب أوضاع داخلية.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق