تتوالى النداءات والإعلانات عن الزيادات في الإنفاق العسكري في الكثير من دول العالم الغربي. وكان آخرها إعلان رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر زيادة غير مسبوقة منذ نهاية الحرب الباردة في الإنفاق العسكري لبلاده. لم يعد خافياً أن إدارة الرئيس ترامب تضغط وبشدة على حلفائها الغربيين لإحداث زيادات كبيرة على إنفاقهم العسكري. لكن يبقى السؤال هل زيادة الإنفاق العسكري وحدها كفيلة بضمان المزيد من الأمن للدول فرادى أو مجتمعة أو حتى للعالم بأسره؟
الإنفاق العسكري العالمي بالفعل مرتفع وترسانات الدول الغربية تتجدد باستمرار. والأسلحة تزداد فتكاً في ظل التقدم التكنولوجي المتسارع. إن زيادة الإنفاق العسكري تأتي بلا شك على حساب مجالات إنفاق أخرى. ويأتي ذلك في ظل شكاوى غربية متزايدة من أن الكثير من مكتسبات دولة الرفاه آخذة في التآكل.
من ناحية أخرى فإن الدول التي تقرر تلك الزيادات الكبيرة في إنفاقها العسكري لا تعيش في هذا العالم وحدها. بل إنها قد اتخذت هذه القرارات أو في سبيلها لاتخاذها تحت لافتات التصدي للتهديدات التي ترد من دول أخرى مجاورة كانت أم بعيدة. ولا يمكن تصور أن تظل الدول الأخرى مكتوفة الأيدي تتفرّج أو تصفق لزيادات الإنفـــاق العسكري لدى الشريحة الأولى من الدول، خاصة في ظل الخلافات القائمة بين الشريحتين. من ثم فالبديهي أن تبادر دول الشريحة الثانية إلى رصد زيادات موازية وربما أكبر في إنفاقها العسكري حتى تحافظ على معادلات التوازن القائمة، وعلى أمنها القومي تماماً كما تذهب دول الشريحة الأولى. وما هذا إلا ســــباق تسلّح أو ســـباقات تسلّح. ســــباقات التســــلّح تلك قد لا تنتــــج أمناً مطلقاً، وإنما قد تتسبب في معضلة أمنية دائمة.
إذا كانت الدول العظمى والكبرى لديها القدرة على تعبئة المزيد من الموارد للنفقات العسكرية فماذا بشأن الدول النامية والفقيرة؟ هل ستنساق هي الأخرى في طريق التسلّح رغم مواردها الشحيحة أم ستظل ملتزمة بمعالجة ما لديها من تداعيات لظروف صعبة تعيشها شعوبها؟ وهل تتجه تلك الدول أو شريحة منها على الأقل إلى البحث عن سبل حماية بما يزيد من التوجّه نحو الانضمام إلى التحالفات العسكرية القائمة أو تلك التي قد تنشأ؟ ومن ثم يزداد حال الأمن العالمي تعقيداً.
إن الزيادات الكبيرة في الإنفاق العسكري لا تأتي فقط على حساب تخصيص الموارد لقضايا التنمية الداخلية، وإنما قد تؤثر في ما يتم تخصيصه من مساعدات للدول النامية والفقيرة. هذه المساعدات ينبغي أن تزيد وبنسب كبيرة في ظل تزايد التحديات التي تواجه الأمن الإنساني في هذه الدول. كما أن ما تخلّفه الصراعات العرقية والنزاعات المسلحة من ضحايا تحتاج معها المنظمات الدولية القائمة على التعامل مع الجوانب الإنسانية لتلك الصراعات المزيد من التمويل.
إن الأمن العالمي ليس عسكرياً فقط. فهناك جوانب أخرى كثيرة ومهمة أيضاً لهذا الأمن. وليست التحديات المناخية والبيئية، وكذلك الأوبئة ببعيدة من الأمن العالمي. وهي تحتاج إلى استعدادات كثيرة، بما في ذلك الأموال اللازمــــة للإنفاق الطارئ كما دلّت على ذلك تجربة كورونا.
0 تعليق