يقف المشهد اليمني المعاصر أمام لحظة مكاشفة جماعية بالغة المرارة، حيث يتقاطع الحاضر المثقل بالانقسامات مع ماضٍ قريب بات يُنظر إليه كملجأ للأمان المفقود. تتجاوز الحالة الشعبية السائدة اليوم مجرد الحنين العابر، لتتحول إلى مراجعة فكرية ومجتمعية شاملة للمسار الذي اتخذته البلاد عقب أحداث عام 2011م؛ إذ يتلمس المواطنون في تفاصيل حياتهم اليومية حجم الفجوة الهائلة بين دولة كانت، على علاتها، تستوعب التنوع القبلي والحزبي تحت مظلة الهوية الوطنية، وبين واقع تتقاسمه سلطات مناطقية وثيوقراطية ضيقة تتعامل مع مقدرات البلاد ومنشآتها كغنائم حرب مستباحة.
هذا التحول في الوعي الجمعي يترجمه الشارع في مقارنات حية تمس أدق تفاصيل المعيشة، فبينما كان التنقل بين المحافظات حراً وآمناً، غدت الطرقات اليوم عبارة عن حقول من نقاط التفتيش والابتزاز والاعتقال على الهوية. يتزامن ذلك مع انهيار شبه كامل للمنظومة الأمنية التي كانت تفرض هيبة القانون، ليحل محلها انفلات أمني غير مسبوق، ونمو متسارع للعصابات المسلحة، وشيوع للجرائم العائلية والجنائية في ظل تآكل تام لجهاز القضاء المستقل، الذي تحول في بعض المناطق إلى أداة لتصفية الحسابات السياسية ومصادرة الأملاك وتثبيت سلطة “المشرفين” الفوق-قانونية.
وفي عمق هذه المأساة، تبرز المعاناة الاقتصادية كوقود حقيقي لحالة الغليان الصامت والعلني، لا سيما في المناطق الخاضعة لسيطرة ميليشيا الحوثي؛ حيث يعيش مئات الآلاف من موظفي الدولة بلا مرتبات لسنوات متطاولة نتيجة لسياسات التجويع الممنهجة وربط الملفات الإنسانية بالمسارات العسكرية. ومع حلول عام 2026، بلغت الإجراءات التعسفية ذروتها بحرمان المعلمين والمهنيين من أبسط مستحقاتهم، متزامنة مع طفرة سعرية خانقة فرضتها الجبايات والضرائب والإتاوات الباهظة على التجار والشركات، مما دفع بقطاعات واسعة من الشعب إلى حافة المجاعة الحقيقية، وأعاد التذكير بعهد الاستقرار المالي والتمويني السابق كعصر ذهبي تتوجب استعادته.
لا تقتصر المعاناة على لقمة العيش، بل تمتد لتطال الخدمات الأساسية التي تضررت بشكل غير مسبوق؛ فبينما يكتوي أبناء المحافظات الجنوبية بظلام دامس وصيف لاهب جراء الانقطاع الشبه كلي للتيار الكهربائي وشلل الحركة التجارية، تحولت الخدمات في مناطق الشمال إلى قطاع استثماري خاص يدر أرباحاً خيالية على قيادات نافذة عبر محطات تجارية ومراكز صحية خاصة، بعد أن تلاشت المستشفيات والمؤسسات الخدمية المجانية التي كانت تمثل البنية التحتية للدولة الإدارية السابقة.
إن ما يشهده اليمن اليوم من تنامٍ لافت للاحتجاجات والتعبير عن الرفض عبر منصات التواصل والمناسبات الوطنية ليس وليد المصادفة، بل هو انفجار لوعي شعبي تراكم عبر سنوات من القهر والنهب. لقد أدرك الإمسان اليمني في الشمال والجنوب زيف الشعارات التي رفعتها جماعات العنف، والتي لم تورث البلاد سوى الخراب والتشرد، وأصبح البحث المستميت عن شربة ماء نظيفة أو أسطوانة غاز أو قوت يومي دافعاً أساسياً للالتفاف حول الرموز الجمهورية وإرث الدولة الوطنية، في مؤشر واضح على قُرب تحول هذا الاحتقان إلى حراك ميداني يسعى لكسر قيود سلطات الجوع والفساد، وإعادة بعث مؤسسات الدولة الكفيلة بصون كرامة المواطن وأمنه المستدام.
