نظر إلى صفوف الأشجار المتهالكة في مزرعة العم صالح، والحشائش التي نمت بعشوائية في أماكن كثيرة من المزرعة، حاول تذكر موقع شجرة البيذام الكبيرة التي كانت تقبع بجوار الساقية، والتي كان يحب تسلقها والتمتع بطعم ثمارها الحمراء اللذيذة القانية، كان يرمي بعض حباتها لأصدقائه المنتظرين أسفلها، ويجمع الباقي في فانيلته، ويمسكها بإحكام قبل أن يهبط على الأرض، كانت ثمارها تخلو من الدود على عكس شجرة البيذام المستقرة في الجهة الشرقية التي يتركون حباتها حتى تجف ومن ثم يجمعونها لاستخراج اللب القابع بداخلها.
حدق في الجهة المقابلة رأى أشجار السدر قد تحولت إلى أغصان ذابلة جافة تقف مطموسة الملامح في مواجهة الشمس، بينما الريح تسرق من عمرها في كل لحظة غصنًا أو تضيف انكسارًا جديدًا في جذعها المتآكل.
شعر بغصة أكبر حين جلس على أطراف الساقية المتهالكة، وضع يده عبر فتحتها الضيقة كأنه يبحث عن الماء الذي كان يجري باردًا رقراقًا يغسل به وجهه ويديه، كما كان يترك رجليه الملطختين بالطين لدقائق في مسار الماء المتحرك دون توقف.
تذكر في لحظات أشجار الجوافة الكثيرة التي نمت في صف واحد، كانت ظلالها تمثل استراحة محارب له ولرفاقه، زاره صوت تكسر أوراقها المتناثرة تحت قدميه، وأصوات القيظ المميزة التي تصدح دون توقف من حولهم.
لم يسمع تلك الأصوات منذ فترة طويلة، اشتاق الاستلقاء تحت الظلال المحيطة به، وحن لصوت حفيف الأشجار من حوله.
استعاد صورة شجيرات الياسمين والريحان التي طالما نشرت شذاها العبق في أرجاء المزرعة، ما زال يتذكر الياسمينة الكبيرة التي تقبع بجوار الساقية مباشرة، والتي حين ينتصف الشهر ويكتمل القمر تغدق عليهم بخيرها الأبيض الذي يقطفه ويجمعه في ورقة بيذام كبيرة ويقدمه لأخته الصغيرة التي تشكل منه عقودًا وسلاسل جميلة تزين بها معصمها وعنقها.
نظر نحو مكانها لم يجدها تبدو الأرض من حولها مقفرة خالية من الحياة، والطين يرتفع مع الريح التي تهب بكل قسوة لتزيد البقعة انطماسًا.
جال بنظره نحو الجهة الشرقية نحو بقعة بعينها حيث كانت شتلات الخضار تتزاحم مع بعضها حبات الطماطم والفلفل بأنواعه والبصل والباذنجان، يتذكر رائحتها المميزة حين يقطفها مع العم صالح في أكياس كثيرة ليوزعها على بعض بيوت قريتهم.
تبدلت ملامح المزرعة من حوله كما تبدلت ملامحه وملامح رفاقه منذ فترة ليست بالقصيرة، تمنى لو يعود طفلا صغيرًا يتمرغ في التراب والطين، وتعود أصداء أصوات رفاقه لتملأ الأفق المحيط به، تفرقوا واحدًا واحدًا، والخيط الذي كان يربطهم انقطع منذ أمد وأصبحت الذكريات ملاذه حين يمر بمزرعة أو شجرة جمعتهم في زمن منصرم.
أمسك عودًا صلبًا رسم به على الأرض الطينية أشكالا متباينة، ما زال يتذكر جارهم العم صالح الشامخ رغم عصاه التي يتكئ عليها، حضن مزرعته وأشجارها ففاضت عليه بخيرها ورزقها الوفير.
لم يغضب منهم إلا مرة واحدة حين كسروا جذعًا كبيرًا من شجرة البيذام الأثيرة إلى قلبه، كان يشعر بأن تلك الأشجار تمثل أبناءه الذين حُرِم منهم، فأغدق عليها من عطفه وحنانه.
كان يقلده في سيره ويضحك في سره، حين يرى الغضب يرتسم على ملامح جارهم، غير أن تلك العلامات سرعان ما تتلاشى حين يدعوهم لتناول الزاد البسيط الذي يحمله، حينها ينتابه شعور بأن العم صالح يملك قلبًا أكبر من مزرعته، وأرق من النسيم المنبعث من بين أوراق الأشجار المحيطة بهم.
زاره طعم السمك الذي كان يُشوى في الطرف الغربي من المزرعة، كان يشعر بطيب طعمه على لسانه رغم الطين الملتصق بالكثير من أطرافه، يزيل العم صالح الجلد بخبرة واضحة، ويناولهم بابتسامة لا حد لها ولا نهاية.
ما زال يتذكر الأرز الذي طبخه العم صالح ذات يوم، أكلوا منه بكل شراهة رغم أنه نسي وضع الملح وهو يطبخه، ضحكوا كثيرًا في ذلك اليوم، ولم ينسَ العم صالح أن يضع ملحًا بشكل أكبر فوق حبات السمك التي احترقت أكثر أطرافها، تناولوها رغم الحر الشديد في ذلك اليوم والذي جعل ملابسهم تلتصق بأجسادهم النحيلة.
حين طالت قاماتهم وتغيرت أصواتهم، قصرت قامة العم صالح، وتغير صوته، لم يعد قادرًا على المشي والسير لمسافات طويلة، افتقدوا وجوده، وافتقدت الأشجار لمسة يديه وحنانه.
تفرقت شلتهم بعد أن لاحظوا غيابه، وبدأت الشجيرات الصغيرة بالذبول تدريجيًا، شجيرات الياسمين تحولت أوراقها الخضراء لأعواد جافة، والشجيرة الكبيرة لم تعد تنتظر القمر تكسرت تدريجيًا، وحرمت أخته من الحصول على حبات الياسمين البيضاء.
ورغم تأخر بعض الشجيرات في الذبول وإصرارها على مواصلة الحياة، غير أن تطاول الأيام أرغمها على الانحناء، تبقت أشجار النخيل شامخة لسنوات غير أنها فقدت ألقها وانحنت أغلبها في فترات متباينة.
ما زال يذكر اليوم الذي انقطعت فيه بقية الأرجل عن زيارة المزرعة، تباعدت قلوبهم أولا ومن ثم أحاديثهم، وأخيرًا فقدت الأماكن تجمعهم وأحلامهم المشتركة، طاروا في بقاع الأرض يبحثون عن لقمة عيشهم، لم تعد تلك المزرعة تغريهم، نسوا حتى العريشة التي كانت تجمعهم تحت ظلها في أيام القيظ الحارقة.
كان يرى أن المزرعة ستعود إذا عاد العم صالح، غير أن غيابه اتصل بغياب أبدي بعد أن أغلق عينيه، وترك ذكرى وشجرة وعصا خشبية متآكلة.
كانت الجنازة خفيفة، هكذا تحدثت كل الألسنة في القرية، عز عليه أن يحمله إلى قبره، وقف يتأمل الجموع الكثيرة التي واصلت المسير نحو المقبرة، شعر بضيق في صدره، وعجز عن البكاء، كان غير مستوعب رحيله، نهض بخطوات متعثرة وسار نحو مزرعته كان الاختناق قد منعه من الحديث ومن التنفس، وحين دلف إلى أرض المزرعة انسابت دموعه وعبراته بلا انقطاع مترافقة مع صوت مياه الساقية المنساب بقوة.
بكاه تحت شجرة البيذام الكبيرة، وذرف دموعه بين أوراق الياسمين، وأيقن حينها بأن المزرعة اليوم فقدت أبًا وأخًا وراعيًا وفيًا مخلصًا.
من بين دموعه حاول مرارًا طرد صورة العم صالح غير أن ذكراه كانت قابعة في كل غصن يتحرك أو حفيف يسمعه من حوله، تباعدت زياراته للمزرعة وتباعدت المسافة بين قلوب رفاقه، لم يمر بالمزرعة بعد وفاة العم صالح إلا مرتين مرة حين بكاه بين أشجار مزرعته واليوم حين مر من أمامها ودخلها بعد خمس سنوات.
أمل المغيزوية قاصة عمانية
0 تعليق