شهرزاد إسبانيا - ستاد العرب

0 تعليق 0 ارسل طباعة تبليغ حذف

«دعنا نتكلم للحظة عنك أنت، يا قارئ هذه السطور. فأنت في هذه اللحظة، وبهذا الكتاب المفتوح بين يديك، تمارس نشاطا غامضا ومثيرا، ولكن العادة لا تسمح لك بالاندهاش مما أنت فاعل. فكّر مليًّا. أنت في صمت، تجيل عينيك في صفوف الأحرف التي تكتسب معنى عندك أنت، وتبثّك أفكارا مستقلة عن العالم الذي يحيط بك في هذه اللحظة. لقد اختليت بنفسك إن جاز القول، في حجرة داخلية، حيث يتحدّث إليك أشخاص غائبون، أشباح لا يراهم سواك (في هذه الحالة شبحي أنا) حجرة يمر بها الوقت على إيقاع شعورك بالاهتمام أو الضجر». بهذه الفقرة أحب أن افتتح مقالي عن أجمل قراءات واكتشافات هذا العام.

كلنا أمسكنا بكتاب، لكن كم مرّة تساءلنا كيف وصل إلى متناولنا؟ سؤال قد يحتمل إجابتين أو أكثر؛ الأولى: إهداء من صديق أو استلمناه من خدمة توصيل عندما قرع باب البيت أو اشتريناه من المكتبة مباشرة، والمكتبة جلبته من الموزع، الموزع استورده من الناشر، الناشر استلمه من المطبعة التي تحتوي آلات طباعة تدور ورولات ورق وأحبارًا وعمّالًا وفنّيين مختصين بالصف، وقد كان الناشر سلّمه لها قبلا، الكتاب نفسه جاء من المؤلف وقبل التسليم للناشر مرّ بمراحل حبر وورق ومعاناة وسهر واستيقاظ صباحي، وكتابة بالقلم أو بالآلة الكاتبة أو الكمبيوتر وإعجاب بالنص في المساء ثم ازدراؤه في الصباح التالي، وإعادة كتابته، وكل ما يختبره المؤلفون من مشاوير سيزيفية بين قمم جنون العظمة الشاهقة وأقسى قيعان حالات اليأس والكآبة المظلمة.. التفاصيل الباقية تزيد وتنقص حسب الوقت المتاح لحكايتها، لكن هذا هو خط السير الأساسي للإجابة الأولى. وهناك إجابة ثانية أعمق غورا تبدأ هي الأخرى بسؤال: كيف اختُرع الكتاب؟ ومتى؟ وما تفاصيل الرحلة التي سلكها آلافا من السنين وآلافا أخرى من الكيلومترات حتى يصل إلى يدي. بطبيعة الحال تبتلع الإجابة الثانية إجابة السؤال الأول بشموليتها. لكن التصدي لها يحتاج لجهد ثقافي موسوعي وعمل بحثي دؤوب، وهذا عين ما فعلته الإسبانية إيريني باييخو، مؤلفة كتاب «اختراع الكتب - اللامتناهي في بردية». هذا الكتاب الذي ترجمه مارك جمال ببراعة واشتغال ليصلنا عبر لغة سهلة وهوامش تزيدنا علما. صدر الكتاب عام ٢٠٢٤ عن دار الآداب اللبنانية في قرابة ٧٦٨ صفحة، وطبع منه أكثر من خمسين طبعة بالإسبانية منذ صدوره عام ٢٠٢٠.

كلنا نعرف شهرزاد أشهر قاصّة في التاريخ، تلك التي تؤجل مصيرها كل ليلة عبر قصّها اليومي على شهريار وإغرائه للولوج في متاهات السرد. هل ما فعلته إيريني باييخو يشابه فعل جدّتها؟ نعم هو ذاته لكن الفارق الأساسي أن القص ومتاهاته في كتابها، جاء، ليأخذنا في رحلة أو مغامرة -لنكون أدق- بين الماضي السحيق منذ الإسكندر واليونان، مرورا بالبطالمة وترويج اختراع ورق البردي الذي كان سلعة مهمة -تعادل النفط هذه الأيام- بالنسبة للدولة البطلمية، وإرهاصات تأسيس مكتبة الإسكندرية في معبد الإله سيرابيس، التي فُتحت للعامة وجعلت «أهل المدينة كلهم في وضع يسمح لهم بالتفلسف»! وولادة المكتبة التي ولدت «حلما، حلم الرغبة في امتلاك العلوم المعروفة كلها». صفحة بعد أخرى وجدت نفسي أسميها شهرزاد، وهكذا كان.

هل كان سردًا تاريخيًّا خطّيًّا محضًا؟ بالطبع لا ولو كان كذلك لكان كتابًا جافًّا خاليًا من جميع المتع والألعاب والسرد الشخصي والعام الذي احتواه كتاب إيريني باييخو. بل كان مراوحة بين الأزمان، سردا قصصيا ذكيا وحكيا موسوعيا، دالّا على عمق فهم الكاتبة وبحثها الدؤوب، وثراء حياتها المعيشة بين الكتب والأفلام والمسرحيّات والروايات والأغاني والأشعار وغيرها، بخلطة من الظرف والدم الخفيف والضحك والتأمل الفكري بل والإحساس بالحزن، تماما مثلما فعلت جدّتها شهرزاد. كنت أعيد فقرات كثيرة بعينها مستمتعا وطربا. كنت أتساءل متى عرفت وقرأت كل هذه المعلومات؟ لا أخفيكم وأنا الضعيف أمام الكتّاب الموسوعيين، كنت أشعر بالغيرة متمنيّا لو أني أستطيع كتابة مثل هذا الكتاب. ومهما وصفت لن تعيشوا جزءا من المتع التي عشتها إلا عبر نقل فقرات دالّة من الكتاب. مثلا عن تجربتها عندما أمضت أوّل نهار في جامعة أوكسفورد ودخلت إلى مكتبة بودليان، وعن الاستجواب الروتيني الذي تعرّضت له قبل الدخول، وخاتمته عبر القَسَمَ القروسطي «أقسمت على الالتزام بالقواعد. وأقسمت على ألا أسرق أو أتلف أو أشوّه كتابا واحدا. وألا أشعل النار في المكتبة أو أساعد على إضرام حريق كي أتأمل ألسنة اللهب المتأججة وهي تلتهم كنوز المكتبة حتى تحيلها رمادا، بلذة شيطانية» ثم تنهي الفقرة بمقاربة ظريفة «تراءت البنود التمهيدية كلها محكومة بالمنطق المشوّه للأقاليم الحدودية، كما هو الحال في الرحلات الجوية إلى الولايات المتحدّة، عندما يتسلم المسافر استمارات الهجرة السريالية التي يُسأل فيها إن كان ينوي اغتيال الرئيس». أو عند بداية جدالها في تفكيك قناعة قديمة مفادها أن «الثقافات الشفهيّة باعتبارها بدائية، أوليّة، قبلية» وهم رضيناه لأننا «نقيس تقدم البلد في يومنا هذا بمعدل إجادة القراءة والكتابة» ثم تضرب مثلا معاكسا بثقافة الأنكا البيروفية التي «استطاعت أن تغزو إمبراطورية قويّة وتحكمها من دون الاستناد إلى الكتابة. كما تمكنت من إبداع الفن الخاص بها، والمعمار السيكلوبي الذي يجتذب أفواجا من السائحين كل عام إلى كوسكو وماتشو بيتشو في مرتفعات الأنديز» ثم تستدرجنا للتفكّر في كل ذلك «كان غياب الكتابة عائقا ثقافيا بطبيعة الحال. وكلما زاد تعقيد المجتمعات الشفهية، صار تهديد النسيان أقوى رسوخا وأشد وطأة على أهل تلك المجتمعات» إذن كيف يحمون ثقافتهم الشفوية يا إيريني باييخو؟ «أدرك ساكنو العالم الشفهي أن اللغة الموزونة أيسر على الحفظ، فولد الشعر بفضل هذا الاكتشاف» ألا يذكركم اختصاري هذا لحديثها العذب بنشوء الشعر العربي وتطور البلاغة التي وصلت الشرق والغرب وبلغت سرقسطة يوما حيث تقيم الكاتبة الإسبانية، بل وبقيت آثارها في لغتها الإسبانية بل وفي قصر الجعفرية قرب منزلها؟

لغة المترجم مارك جمال العربية واختيارات مفرداته دائما أحسّها نابعة من النص المُترجم -حسب متابعتي لأعماله- وجاءت في هذا الكتاب مناسبة له حتى خِلت أنه كُتب بالعربية، وما يميّز مارك في عمله برأيي هو عدم استنكافه وضع هوامش لما يجيء في العمل زيادة في التوضيح، وكتابته لمقدّمات توضيحية لمشروعه. مارك جمال ينتمي إلى جيل مصري/ عربي مجدّد في الترجمة بدأ يحتل مكان الصدارة وبات اسمه على الكتب بجميع أنواعها علامة جودة فارقة.

في خضم سردها المنحاز عن موقف إنساني وثقافة واطلاع وشجاعة. وجدت موضوعين أحببت أن ألفت انتباه الكاتبة لها، إن سافر المقال وترجم لها. (سأضع لها اسمها عند نشر المقال وستترجمه بسهولة عبر المواقع). الأول هو ما يتعلّق بما ذكرته عن حرق عمرو بن العاص لمكتبة الإسكندرية رغم أنها -للأمانة العلمية- أفادت عندما سردت الحادثة «إن رأى كثير من المختصين أن علي القفطي وعبداللطيف قد اختلقا قصّة النهاية التراجيدية التي شهدتها المكتبة العظمى، إذ كتبا ما كتبا بعد قرون، ويظهر أن كليهما مهتم بالتسفيه من خلافة عمر» لكنها رغم ذلك أوردت القصة بشيء من التفصيل، وهي قصة متضعضعة لا تصمد علميا رغم الدراما العالية فيها والتي تختلط بصورة نمطية تجعلها قصة غير قابلة للموت، وردّ عليها مؤرخون كثر بتفصيل ومنهم ويل ديورانت في كتابه قصّة الحضارة وسمّاها أسطورة، كان ردّا يتضمن عدّة نقاط منها أن «أحدا من المؤرخين المسيحيين لم يشر بكلمة واحدة إلى هذا الحادث المزعوم في ٥٠٠ عام الواقعة بين حدوثه وبين ذكره لأول مرّة، مع أن أحد هؤلاء المؤرخين وهو أوتيكيوس كبير أساقفة الإسكندرية في عام ٩٣٣م قد وصف دخول العرب للإسكندرية بتطويل كبير، ولهذا فإن معظم المؤرخين يرفضون هذه القصة ويرون أنها من الخرافات الباطلة». الأمر الآخر هو مرورها على اختراع النظارة الطبية وإشارتها لرواية اسم الوردة عندما نسبت اختراعها إلى روجر باكون قائلة «أثبت روجر بيكون علميا أن رؤية الخط الصغير بصورة أوضح وأكبر شيء ممكن باستخدام العدسات المصقولة بدقّة» ورغم أنها توقفت عند هذا الموضع من الرواية حيث يقوم غييرمو الباسكرفيلي ويخرج ما يشبه النظارة من جيبه، إلا أن ذاكرتي أصرت أن ثمة جزءا من نص إيكو يشير لأمر ثقافي عربي/ إسلامي لذلك عدت للنص العربي -وتأكدت أن ذاكرتي جيّدة- وأحببت تذكير السرقسطية بما ورد في الفصل التالي ونسته، عندما قال الباسكرفيلي «الكثير من أسرار الطبيعة التي أظهرتها حكمة الإله إلى اليهود واليونانيين، وإلى شعوب أخرى قديمة وحتى في وقتنا هذا إلى الكفار (ولا أذكر لك الأشياء الرائعة في علم البصريات وعلم النظر التي توجد في كتب الكفار!) وينبغي على العلم المسيحي أن يستحوذ على هذه المعارف» انتهى كلامه، ومن الغني عن الذكر أن الكفار في رواية إمبرتو إيكو والوثنيين هم المسلمون، ولا أشك للحظة بأنه يعني ضمن من يعني العالم الحسن ابن الهيثم رائد علم البصريات. وأنا شبه متأكد أن الكاتبة الرائعة إيريني باييخو تعرف أن أهم مصدر لمفردة نظارة بالإسبانية وهي GAFAS تعود لاسم أشهر عالم عيون أندلسي وهو محمد بن أسلم الغافقي. وهذا ليس تقصيرا متعمّدا برأيي على الإطلاق؛ لأن هذه الكاتبة الموسوعية منحت الكتاب مقدّمة خاصة لقراء العربية وذكرت قصصا عربية منها قصة حرق الكتب التي جرت لابن بلدها العالم ابن حزم الذي وصفته «الشاعر القرطبي النابغة ابن حزم»، بل، وذكرت بيت الشعر الذي وضع على طابع إسباني شهير، يقول ابن قرطبة: فإن تحرّقوا القرطاس لا تحرّقوا الذي - تضمنه القرطاس بل هو في صدري».

بعدما فرغت من الكتاب قرأت الغلاف الخلفي ووجدت أنها وصفت بشهرزاد، إذن لم أكن أوّل من أسماها بهذا الاسم، إلا أن ذلك أسعدني لأنني وجدت أن هذه حقيقة معروفة لمن يقرأ الكتاب. أما أنت يا من أكملت المقال للنهاية، أحب أن أضعك في هذا التصنيف الذي قرأته في كتاب شهرزاد إسبانيا «أمّا أنت فتنتمي إلى صنف مميز من القراء، ينحدر من سلالة المجددين. وأما هذا الحوار الذي يدور بينك وبيني، في حريّة وسرية، فاختراع مذهل».

عبدالوهاب الحمادي كاتب وروائي كويتي

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق