تدين البشرية لعلماء الإدارة بالكثير من الفضل، لأنهم وضعوا الأسس لانطلاق الأعمال وتنظيمها، وهو ما أوجد البيئات المناسبة للعمل والإنتاج، والأهم أن جهود علماء الإدارة تتواصل على امتداد عقود متتالية دون انقطاع حتى يومنا، وتجد أن كل فرضية، أو نظرية إدارية، سرعان ما تتم دراستها، والبحث ملياً فيها، حتى يتم تحويلها إلى واقع يتم العمل وفقه، بعد أن تثبت نجاحها وفوائدها.
أتوقف مع مفهوم إداري صاعد، وبدأ يأخذ حيزاً من الاهتمام، مع أنه مفهوم قديم جداً، وإن أخذ مسمى محدداً في السنوات الأخيرة، وهو مفهوم «إدارة الرئيس» Managing Up في بيئة العمل.
هذا المصطلح لم يكن شائعاً أو معترفاً به، لكن انتشر نتيجة للدراسات الكثيرة والمتتالية التي حاولت رصد التفاعل بين الموظفين والمديرين، وهي دراسات أخذت حيزاً لا بأس به من علم الإدارة. يمكن رصد تطور تاريخي لهذا المفهوم، ففي حقبتي الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي، كانت بيئات العمل تركز على الهياكل الإدارية بصرامة، وتحترم الهرمية الإدارية بقوة، وعلى الموظفين تلقي وتنفيذ التعليمات من مديريهم، من دون أي تدخل أو إبداء للرأي. مع ذلك، كانت هناك نظريات بدأت في الظهور مثل، نظرية العلاقات الإنسانية في الإدارة (Human Relations Theory) التي طرحها إلتون مايو، والتي ركزت على أهمية التفاعل البشري في تحسين الإنتاجية، ومثل هذه النظريات المبكرة هي التي مهّدت لفكرة التأثير المتبادل بين المديرين والموظفين. أما خلال حقبتي السبعينيات والثمانينيات، فنجد ظهور مفاهيم جديدة تتعلق بالتطوير التنظيمي، بل والتفاعل داخل فرق العمل، ومن هناك بدأت الدراسات الإدارية تركز على التواصل الفعال، بل والتعاون بين الموظفين ومديريهم. على سبيل المثال، في عام 1980 قام الباحثان جون جابارو وجون كوتر بنشر دراسة بعنوان: «إدارة رئيسك في العمل» في مجلة «هارفارد بزنس ريفيو»، وهي مجلة إدارية متخصصة تصدر عن كلية هارفارد للأعمال. وقد كانت تلك الدراسة من أوائل الأعمال التي ناقشت بشكل صريح كيف يمكن للموظفين إدارة علاقاتهم مع رؤسائهم بفاعلية. أما في حقبة التسعينيات، وبداية القرن الحادي والعشرين، فالوضع كان مختلفاً، حيث بدأت منظمات الأعمال تدرك أهمية الإدارة المرنة، وتعزيز بيئة عمل تعتمد على التعاون بدلاً من الأوامر المباشرة.
ومن هنا أصبح مفهوم «إدارة الرئيس» جزءاً من برامج التدريب الإداري والتطوير القيادي، وتمّ تضمينه في دراسات مثل كتاب «Managing Up» للكاتبة روزا ليندا أورتيس. وفي العصر الحديث، مع تطور بيئات العمل وانتشار ثقافات العمل القائمة على الشراكة والتواصل الفعال، أصبحت «إدارة الرئيس» مهارة ضرورية للموظفين الناجحين. وللحديث بقية.
[email protected]
www.shaimaalmarzooqi.com
0 تعليق