اسرار | انفجار الغضب الشعبي في الجنوب يهدد بالإطاحة بالحكومة ويضعها أمام أعقد أزماتها المعيشية والأمنية

اسرار | انفجار الغضب الشعبي في الجنوب يهدد بالإطاحة بالحكومة ويضعها أمام أعقد أزماتها المعيشية والأمنية


عدن : تتسع رقعة الاحتجاجات الشعبية في المحافظات الجنوبية بوتيرة متسارعة، في ظل تدهور غير مسبوق للخدمات الأساسية وتفاقم الأوضاع المعيشية، الأمر الذي يضع الحكومة المعترف بها دوليا أمام واحدة من أعقد الأزمات التي واجهتها منذ تشكيلها قبل أشهر، وسط تنامي حالة الغضب الشعبي واتساع فجوة الثقة بين المواطنين والسلطات.

وخلال الأيام القليلة الماضية، شهدت العاصمة عدن وعدد من المدن المجاورة لها، إلى جانب مدينتي المكلا وسيئون بمحافظة حضرموت، موجة احتجاجات واسعة تندد باستمرار انهيار الخدمات وتردي الأوضاع الاقتصادية والمعيشية، في وقت يحمّل فيه المحتجون الحكومة مسؤولية الفشل في تقديم حلول عملية تخفف من معاناتهم اليومية.

وفي عدن، تحولت شوارع المدينة إلى مشاهد غير مألوفة مع اضطرار مئات المواطنين إلى قضاء لياليهم في الشوارع بعد إخراج أسرّتهم وفرشهم ووسائدهم إلى الطرقات، هرباً من الحرارة المرتفعة والرطوبة الخانقة، بالتزامن مع استمرار انقطاع التيار الكهربائي لأكثر من 20 ساعة يومياً.

ومع استمرار الأزمة دون حلول ملموسة، أخذت الاحتجاجات منحى أكثر تصعيداً، حيث شهدت بعض المناطق حالات عصيان مدني جزئي وإغلاق طرق ومنشآت، بينما واجهت السلطات تلك التحركات بإجراءات أمنية شملت محاولات تفريق المحتجين بالقوة وتنفيذ حملة اعتقالات طالت عدداً من المشاركين في الاحتجاجات.

ويرى مراقبون أن هذه التحركات الشعبية تعكس حالة سخط متراكمة تجاه الأداء الحكومي وعجز مؤسسات الدولة عن معالجة الأزمات الاقتصادية والخدمية المتفاقمة، وسط تساؤلات متزايدة حول قدرة الحكومة على احتواء الشارع الغاضب، خاصة وأن موجات الاحتجاج خلال السنوات الماضية أسهمت في إحداث تغييرات داخل السلطة التنفيذية وأطاحت بحكومتين سابقتين.

وفي هذا السياق، قال المتحدث باسم المجلس الانتقالي الجنوبي العربي، أنور التميمي، إن الاحتجاجات الحالية تختلف عن سابقاتها من حيث البيئة السياسية التي تتحرك فيها، رغم تشابه الأسباب والدوافع التي تقف خلفها.

وأوضح التميمي، في تصريحات صحفية أدلى بها اليوم الخميس، أن غياب التمثيل الجنوبي الفاعل داخل مؤسسات الدولة والحكومة أسهم في مضاعفة حالة الاحتقان الشعبي، وجعلها أكثر اتساعاً وحدّة مقارنة بالفترات السابقة.

وأضاف أن الانهيار الخدمي الذي تشهده عدن بلغ مستويات غير مسبوقة، في وقت تفتقر فيه السلطات المحلية إلى القدرة على التدخل السريع ومعالجة الأزمات الطارئة، بخلاف ما كان عليه الوضع خلال المراحل السابقة عندما أتاحت الشراكة بين المجلس الانتقالي والحكومة مساحة أوسع للتدخلات الإسعافية، خصوصاً في ملف الكهرباء وتأمين الوقود اللازم لتشغيل محطات التوليد.

وأشار إلى أن المحتجين لم يعودوا ينظرون إلى الأزمة باعتبارها مجرد أزمة خدمات، بل يرون فيها استهدافاً لإرادتهم السياسية ومشروعهم الوطني، ومحاولة لفرض أجندات سياسية عبر الضغط عليهم، وهو ما يفسر – بحسب وصفه – اتساع دائرة الغضب الشعبي وتصاعد الاحتجاجات في مختلف المناطق الجنوبية.

كما اعتبر أن لجوء السلطات القائمة إلى استخدام القوة في مواجهة بعض التظاهرات يعكس حجم القلق الذي تشعر به الجهات المسؤولة عن إدارة المشهد تجاه تنامي الحراك الشعبي واتساع تأثيره.

من جانبه، ربط المحلل العسكري العميد ثابت حسين بين تفاقم الأزمة الخدمية والتطورات السياسية والأمنية التي شهدتها الساحة الجنوبية منذ مطلع العام الجاري، مؤكداً أن تلك المتغيرات أسهمت في تعقيد المشهد وأعاقت العديد من المعالجات التي كان يعول عليها للتخفيف من أزمة الطاقة.

وأوضح حسين أن من بين تلك المعالجات مشاريع ممولة من دولة الإمارات العربية المتحدة بقيمة مليار دولار، إلى جانب التأثيرات التي طالت إمدادات الوقود المخصصة لتشغيل كهرباء عدن القادمة من المحافظات النفطية.

وتوقع المحلل العسكري اتساع نطاق التحركات الشعبية خلال الفترة المقبلة مع استمرار حالة السخط وعجز السلطات عن تقديم إصلاحات فعالة، ولجوئها إلى المعالجات الأمنية بدلاً من الحلول العملية، محذراً من أن ذلك قد يقود إلى تحديات سياسية أكثر تعقيداً.

وأكد أن المجلس الانتقالي الجنوبي والقوى الجنوبية الأخرى وقواتها المسلحة تعاملت بحذر مع حالة الاحتقان القائمة لتجنب المزيد من التوتر، إلا أن ذلك لا يعني القبول باستمرار ما وصفه بـ”سياسات العقاب الجماعي”، محذراً من أن استمرارها قد يدفع بالأزمة إلى مستويات تتجاوز بعدها الخدمي نحو تداعيات سياسية وأمنية أوسع.

بدوره، رأى الخبير الاقتصادي ماجد الداعري أن الحكومة الحالية تبدو عاجزة عن تقديم حلول حقيقية لأزمات الكهرباء والمرتبات والخدمات الأساسية، مرجعاً ذلك إلى محدودية صلاحياتها وضعف سيطرتها على الموارد والمؤسسات الإيرادية، إضافة إلى التباينات السياسية داخل مكوناتها، وهي عوامل انعكست سلباً على قدرتها في إدارة الملفات الاقتصادية والمعيشية.

وأكد الداعري أن أزمة الكهرباء في المناطق الخاضعة للحكومة أكثر تعقيداً من أن تُحل عبر إجراءات إسعافية أو زيادة القدرة التوليدية فقط، موضحاً أن شبكات نقل وتوزيع الطاقة تعاني من تهالك مزمن وتحتاج إلى استثمارات وإصلاحات واسعة تضمن معالجة شاملة لمختلف جوانب القطاع.

وأضاف أن جذور الأزمة تمتد إلى ما هو أبعد من نقص الموارد والطاقة، إذ ترتبط بغياب برامج الإصلاح الوطني وضعف الرقابة ومكافحة الفساد، مشدداً على أن أي تحسن مستدام في الخدمات أو استعادة الاستقرار الاقتصادي سيظل محدوداً ما لم يقترن بإصلاحات مؤسسية جادة تعالج الاختلالات المتراكمة في إدارة الموارد والمال العام.



Source link

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *