الناشر: دائرة الثقافة في الشارقة
«أبحاث في اللغة والتراث» للدكتور وليد بن محمد السراقبي، كتاب أشبه بفسيفساء لغوية وتراثية تتعدد فيه النصوص التي درسها الباحث تبعاً لنظريات عديدة شملت سيمياء لغة الجسد وغيرها من النظريات التي تبحث في جماليات العربية بما فيها من نقد لغوي، ودلالي، ومعرفي، تكشف للقارئ إمكانيات هائلة في هذه اللغة وقدرتها على الوصف والتصوير، واعتبارها لغة حية ومعاصرة، صالحة للتعبير في كل زمان ومكان.
صدر الكتاب عن دائرة الثقافة في الشارقة، وجاء في 444 صفحة وتضمن ثلاثة أبواب رئيسية هي: (في اللغة، من سدنة العربية، وقراءات).
في الفصل الأول يدرس المؤلف د. وليد السراقبي، أشكالاً أخرى من تواصل الإنسان مع الآخر يتجاوز تحريك اللسان وقرع الشفتين، من خلال وسائل غير لفظية كثيرة، كالتعابير الوجهية بما يضمه الوجه من عينين، وحاجبين، وغير ذلك، والتعابير اليدوية والوضعية.
ويشير المؤلف إلى الفارابي الذي جعل الإشارة هي السبيل الأولى التي سلكها الإنسان في إيصال رسالته إذا كان من يريد تفهيمه مبصراً إشارته، ولعل لغة الجسد تعبير جديد على مستوى المصطلح، ولكنه مسلك تواصلي مغرق في القدم.
ويدرس المؤلف جماليات اللغة العربية بوصفها مرآة الفكر ووسيلة التعبير والتواصل، وهي أعلى الوسائل التواصلية، بما يتضافر فيها من عناصر لفظية أو سياقية، وخطاب اللغة بحسب المؤلف يتألف من أربعة مستويات هي: المستوى الصوتي، الصرفي، التركيبي، والدلالي، وهذا الأخير هو المصب الذي تنتهي إليه المستويات الثلاثة الأولى.
*التنقية اللغوية
يتناول د. وليد السراقبي ما يطلق عليه درة الكتب في التنقية اللغوية، والتي تعني الحفاظ على الاتساق اللغوي ومعايير اللغة، وهو كتاب (درة الغواص في أوهام الخواص) لأبي محمد القاسم الحريري، وجاء في الطبعة الأوروبية التي أخرجها المستشرق الألماني هنريش توربيكه سنة (1871)، والكتاب من أبرز الكتب اللغوية التي تنتقد تراجع المستوى اللغوي، ولدى بعض الطبقات المثقفة على نحو أخص، فكان هذا الكتاب مرآة أبرزت ما اعترى بعض ألسنة الكتاب والنحاة والشعراء من خلل وأوهام، وهو أبرز الكتب التي جعل أصحابها مبدأ (التنقية اللغوية) لخاصة القوم، هدفها الأول والأخير، فقد كان لكل إقليم أخطاؤه الخاصة ولهجاته المنحرفة، يرتكز المنهج العام للكتاب على فرش مواطن الخلل والوهم، بادئاً ذلك بقوله: و«يقولون»، «ومن أوهامهم»، ويورد اللفظ أو التركيب موطن الوهم، فيشرح دلالته وفق وهم الناطقين به ليخلص إلى عرض وجه الصواب فيه، والتدليل عليه.
يقول د. السراقبي: «تعد الدرة وما دار في فلكها من شروح أو حواش نموذجاً واضحاً لكتب التنقية اللغوية في كثرة استطرادها، واحتفائها بقضايا الأدب والنحو والصرف والبلاغة».
*سدنة العربية
يتناول مؤلف الكتاب نموذجاً من سدنة العربية في الباب الثاني وهو المرحوم محمود فاخوري (1933 - 1986) الذي تعود معرفة المؤلف به إلى عام 1973 الذي خلف نحو 35 أثراً، موزعة بين آثار انفرد بها، وآثار شاركه غيره بإنجازها، موزعة بين آثار تعليمية أولية، وتعليمية أكاديمية ونصوص محققة، وتراجم، هي كما يؤكد المؤلف حقول معرفية متعددة من لغة، وأدب، وعروض، وتاريخ أشخاص، أو تاريخ مدن، وهي تتفصح بجلاء عن شخصية علمية موهوبة متعددة الجوانب، نذرت نفسها لخدمة تراث أمتها، والكشف عن مخبآت درر هذا التراث وتقديمها للناظرين فيها، عالمين ومتعلمين.
كما يسرد المؤلف في هذا الفصل أسماء عدد آخر من مبدعي اللغة العربية ممن برزوا في تأليف كتب في أوزانها، وعروضها، وأشعارها، ومنابعها التراثية والمعاصرة، ليقدم للقارئ العربي بعضاً من تفاصيل هذه الآثار، في خدمة لغة الضاد، كما يعرج على كتاب «الحيوان» للجاحظ الذي يعتبره أديباً موسوعياً مزج في كتابه بين العلم والأدب، والتحليل والفلسفة، والحكايات الغربية، والأشعار والأخبار، والنوادر والفكاهات، والآيات والأحاديث، والتاريخ والنقد.
*تحقيق التراث
يتحدث مؤلف الكتاب عن الدكتور محمد الدالي، الذي برع في تحقيق التراث، هذه الشخصية التي شغفت بالعربية وعلومها وبرزت فيها ملامح النجابة والتفوق بدمشق في السبعينات من القرن الماضي، وهو النابغة الذي اقتدى بعلماء العربية وشيوخها، حيث انتخب عضواً في مجمع اللغة العربية بدمشق سنة 1985، وقد توزعت جهوده البحثية في كتب تحقيق التراث، والدرس اللغوي، وكان صاحب منهج خاص في التحقيق، هذا التحقيق الذي يصفه المؤلف بأنه: «سفر مضن في ملكوت النص التراثي، ودخول في شعابه حتى يسفر عن وجهه، ونثر فوائده وفرائده أمام من لا يقوى على تسلق القمم، ولا يقوى على الغوص في تلك اللجج».
يقول د. وليد السراقبي: «لقد كان من المعالم الكبرى لمنهج الدالي في التحقيق قراءة النص المخطوط قراءة فقه لمسائله وقضاياه، ثم فهرسة هذه المسائل وتصنيفها، فلا يهجم هجوماً على الأثر الذي يختاره للتحقيق، بل يتبين قبل أن يقدم، ويتثبت قبل أن يقطع، ثم يمضي في طريقه مروياً متأنياً، على هدى من أمره، يمشي رويداً ويكون أولاً، جذع البصيرة قارح الإقدام».
*السيرافي
ويسرد الكتاب لنابغة من نوابغ العربية وهو الحسن بن عبدالله بن المرزبان السيرافي، الذي ولد نحو 280 هجرية، في سيراف إحدى المدن من بلاد فارس، وكان يكنى بأبي سعيد وهو الذي وصفه أبو حيان التوحيدي بقوله: «أبو سعيد أجمع لشمل العلم».
خلف أبو سعيد السيرافي عدداً من الآثار، كلها كاف شاف في الدلالة على سعة علمه، وحدة نظره، وعمق فكره، فغدا مفتاح علم سيبويه وشرحه أكثر شروحه سبراً لأغوار عبارة سيبويه، واستنطاقاً لمدلولات تراكيبه، وقد ترك عدداً من الأعمال اللافتة: «أخبار النحويين البصريين»، «الإقناع في النحو» في ثلاثمئة ورقة، «ألفات القطع والاتصال» في ثلاثمئة ورقة، «تعليقات على الجمهرة» وهي مثبتة على حواشي الجمهرة المطبوعة، «جزيرة العرب»، «شرح كتاب الإيمان» لمحمد بن الحسن الشيباني، «شرح كتاب سيبويه»، وهو أهم آثاره على الإطلاق، ويقع في ستة مجلدات.
ومن الآثار القيمة للسيرافي كتاب «الإدغام»، الذي جاء في قسمين رئيسيين هما: الدراسة، والنص المحقق، أما الدراسة فجاءت في 136 صفحة من القطع الكبير، أُتبعن بعشر صفحات ضمن نماذج من صور المخطوطات، وأما النص فشغل نحو 452 صفحة أُتبعن بـ 135 صفحة حفلن بالفهارس الفنية للكتاب.
*اقتباسات
*أشار فرويد إلى أهمية العين في التواصل مع العالم الخارجي وأسبقيتها على الأذن.
*ربط علماء اللغة بين التشكيل الصوتي للفظ وبين الحال النفسية للمتكلم.
*كتاب «درة الغواص» للحريري درة لا ينالها إلا من يبالغ في الغوص من أجلها.
*الإدغام ظاهرة صوتية يلجأ إليها بفعل قوانين صوتية.
*وقف المعري عند الأبنية الصرفية في مواضع شتى من شعر المتنبي.
*«التمام» هو أول الكتب التي ألفها أبو الفتح عثمان ابن جني.
0 تعليق