(دلشاد .. سيرة الجوع والشبع) بين غنائية السرد وعنصرية الخطاب - ستاد العرب

0 تعليق 0 ارسل طباعة تبليغ حذف

«تخيل كما شئت، لكن لا تخن التاريخ ولا تحرف أحداثه» – جورج لوكاش

تنطلق رواية (دلشاد.. سيرة الجوع والشبع) لبشرى خلفان (2020، منشورات تكوين) لتقدم سيرة جماعية تتشكل من أبعاد شخصياتها. كل فصل يمثل يوميات شخصية تسرد الأحداث من منظورها. وهنا نطرح تساؤلات حول موضوعية الأحداث، وبناء الشخصيات وفق مستواها الاجتماعي والثقافي، فضلًا عن تفكيك عناصر الخطاب السردي.

يلاحظ القارئ توظيفًا واسعًا للغة الفوقية، ونقصد باللغة الفوقية مستوى اللغة التي استخدمتها الكاتبة بطريقة خلقت تباينًا بين الأسلوب المستخدم والمستوى الثقافي للشخصيات، ما يثير تساؤلًا حول دوافع هذا الاختيار؛ هل هو تعبير عن صراع داخلي أم محاولة لخلق جو معين؟ كما يمكن تحليل هذا التناقض في سياق الواقع العُماني، تاريخًا وثقافةً.

تتبنى الرواية بنية سردية ذاتية، حيث تتكشف الأحداث عبر منظور الشخصيات دون تدخل راوٍ خارجي، مما يخلق تجربة متعددة الرؤى، فتتغير زوايا النظر مع انتقال السرد من شخصية إلى أخرى، ما يفتح المجال لتفسيرات مختلفة للأحداث.

لكن هذا الأسلوب لم يخلُ من المآخذ؛ فقد طغت غنائية السرد على النص، مما أفقده الديناميكية. ورغم أن الغنائية تضفي عمقًا عاطفيًا، إلا أن تعميمها جعل الرواية تتسم بالجمود، حيث طغت اللغة الشعرية على الحوارات والوصف، فبدت الشخصيات وكأنها في عالم منفصل عن واقعها، مما أفقد بعض المشاهد تأثيرها الدرامي.

بدلًا من تفاعل حيوي بين الشخصيات، استغرق السرد في استبطان المشاعر، مما أبطأ تطور الحبكة. فالمبالغة في الاستعارات والتشبيهات جعلت النص أقرب إلى المونولوج العاطفي المستمر، دون تصعيد درامي يحرك الأحداث.

وإذا نظرنا إلى البناء السردي، نجد أن الرواية حاولت فرض إيقاع تأملي على القارئ، لكنه جاء على حساب السرد الفاعل. كما أشار الناقد صلاح فضل في أساليب السرد في الرواية العربية (2003): «فقليل من الغنائية العاطفية جوهري للرواية، لكن الكثير منها يدمر بنيتها الموضوعية...» (ص 102).

وفي المحصلة، نرى أن الرواية تتبنى ما يعرف بـ«البؤرة الداخلية»، حيث تنطلق كل شخصية من مركز رؤيتها الذاتية للأحداث، وهذا الخيار السردي -من وجهة نظرنا- أدى إلى انغلاق النص مع دورانه في حلقة مفرغة. وتكرار الوقائع دون تقديم تطور حقيقي في السرد أو إضافة أبعاد جديدة للأحداث.

بنية أسماء الشخصيات

تضم الرواية مجموعة أسماء تعكس حالة الشخصيات في عالم متقلب، مثل: (ما حليمة، ما مويزي، فردوس، فريدة، قاسم، بتول)، وشخصيات أخرى عرفت بألقاب تدل على صفاتها مثل: (حسن لبن، فاطمة لولاه). شخصية ما حليمة، التي ترعى دلشاد، تعكس الحلم والرحمة، لكنها تعيش حياة الشقاء.

دلشاد

تبدأ الرواية على لسان (دلشاد) الذي يحكي عن أمه وأبيه وفضائه المسقطي. يروي: «حلفت أمي أني خرجت من رحمها وأنا أضحك، وأنها أسمتني فرحان؛ كي أعاكس شؤم ولادتي لأب ملعون». ويحكي عن مكان ولادته: «ولدت داخل خيمة على الضفة الشرقية لحافة الوادي الكبير، وكبرت في ظل خيمة أخرى على الضفة الغربية منه» (ص ٩). ويصف علاقته بمسقط القديمة، حيث يجد نفسه منبوذًا: «أتركهم عائدًا إلى حارتي، حيث كان الجميع ينادونني بود السيح» (ص١٠).

الفضاء الذي يقدمه دلشاد مليء بالعنف والعنصرية، حيث يعبر عن ذاته كإنسان بائس لم ينعم بالراحة. يقول: «لم أفهم معنى (ود السيح) حتى كبرت، وميزت النبرة التي ينطق بها» (ص١٠). كان يطمح إلى تغيير حياته، قائلًا: «فكرت أنه وبعد أن تموت أمي، سأنتقل للعيش مع ما حليمة، وسأتزوج نورية، وسأصبح بلوشيًا مثلهم» (ص١٠). لكن ما حليمة تمنعه: «لن أستطيع الزواج بنورية، لأننا إخوة، ولن أستطيع العيش في خيمتهم» (ص١٢).

تتألف الرواية من ثلاثة فضاءات مكانية: لوغان، ولجات، حارة الشمال. رغم أنها ليست سيرة ذاتية بالكامل، يواصل دلشاد حكاية تفاصيل شخصيته في مواضع مختلفة، لكنه يكرر الأحداث من خلال نظرته الذاتية، ما قد يصيب القارئ بالملل. مثلاً، قصة زواجه وموت زوجته نورجيهان تتكرر.

في الفصل الثاني، يروي دلشاد معاناته في خيمة ما حليمة، وذكريات الكوليرا ومعاناة أطفاله: «كنا نحن الأربعة بلا أب... ما أخبرتنا ما حليمة ونحن نتحلق حول نارها» (ص ١٩).

وفي الفصل الرابع، يحكي عن موت زوجته وتسليم ابنته إلى بيت عبداللطيف لوماه في ولجات، دون أن تتغير شخصيته أو تتطور الأحداث.

ما حليمة

تظهر شخصية ما حليمة فقط في حارة لوغان، وهي تقدم نفسها وتقدم الشخصيات الأخرى أيضًا. تقول في أول ظهور لها: «كنت حاملًا بنورية، عندما قرر عبد الرسول أن يرحل جواذر لزيارة أمه. قال إنه لن يتأخر، وإذا وجد كل شيء على ما يرام فسيأخذنا معه إلى الوطن، إلى بلوشستان. لا أتذكر متى جئنا إلى مسقط، لكن أمي تتذكر، وهي التي أخبرتني كيف انضم أبي إلى العسكر في أول عهد السلطان تركي بن سعيد، وكيف حملتنا السفينة من جواذر إلى مسقط». بهذه الكلمات اختصرت ما حليمة سيرتها الذاتية، حيث ظهرت لنا أنها ليست مسقطية الأصل، بل جاءت مع والديها إلى عمان.

تسرد ما حليمة مأساتها وبؤس حياتها في مسقط، وزواجها وموت إخوتها وزوجها وأولادها في الحرب والمرض: «الدنيا يومان، كانت أمي زليخة تقول وهي تواسيني وتصبرني على حظي العاثر، لكنها ذهبت مع أولادي قبل أن يأتي اليوم الذي لي، بل جاءت أيام كثيرة بعدها، وجاءت الحروب وجلبت معها جوعًا أشد من ذلك الذي عرفناه».

ما مويزي

الشخصية الأخرى التي تسرد سيرتها الذاتية في حارة ولجات هي «ما مويزي». تتحدث بحزن عن حياتها كخادمة: «لم أكن أستطيع منع سادتي من أن يحدثوا الأذى، كنت أتفرج على آثامهم معظم الأحيان». في الفصل الثالث من سيرتها، تذكر أن عمرها غير معروف عندما تم بيعها لحبابي أحمد في مسقط. تتابع حديثها عن حياتها من الحرية إلى العبودية، وتشير إلى أنها كرهت أن تصبح أمًا خوفًا من تكرار مأساتها.

ناصر بن صالح

في حارة الشمال، تظهر شخصية ناصر بن صالح. يقول: «أنا لم أعد صغيرًا، وقد تخرجت في الصف الرابع في السعيدية، وبإمكاني أن أقرأ وأكتب». في مكان آخر يقول: «عندما دفنت أبي، دفنت كل أهلي معه، فصرت مقطوعًا، لا أب لي ولا أم أعرفها».

من خلال سيرة ناصر، نعرف أنه نشأ يتيمًا لا يعرف أمه، ولم ينعم بحب أبٍ. يسرد لنا قصته المأساوية، مثل معظم شخصيات الرواية.

بنية تقديم الشخصيات

أ- التقديم الذاتي: فاطمة لولاه

يبدأ تقديم شخصية فاطمة لولاه بجملة تقريرية لا تحمل أي عمق نفسي أو سردي:

• («في النهار وجدوني إما في نازيمويه أبيع اللولاه في أول الصباح، فأتبعهم وأترك صينيتي لدرويش ابن عواش كناره، ليكمل بيع ما تبقى، أو يلحقون بي داخل السور» ص395). هذه الجملة تعاني من تفكك واضح؛ فهي قائمة على تعداد للأفعال دون بناء سردي متماسك، مما يجعل السرد أقرب إلى الوصف السطحي منه إلى التحليل النفسي أو الدرامي. الفعل «وجدوني» يوحي بحضور شخصيات أخرى تراقبها، لكن دون تحديد موقفهم منها، مما يجعل الجملة فضفاضة وغير محددة. كما أن الأوصاف تقتصر على الفعلية دون رسم بيئة حسية عميقة، فنحن لا نعرف كيف يبدو السوق، أو كيف يؤثر العمل على شخصية فاطمة. عند تناول حياتها الزوجية، يظهر غياب العمق النفسي: («تزوجت مراد داهوك أقوى عتال في سوق مطرح، سريعًا زوجتني أمي، وسريعة مرت الشهور، وانتظرت يكبر بطني مثل بقية النساء، لكن من رحمي لم يقبض منه شيئًا» ص395).

الجملة تعتمد على أسلوب تقرير جامد، والفعل «انتظرت» هنا يوحي بالسلبية دون تقديم أي انعكاس نفسي لشعورها تجاه عدم الإنجاب. التشبيه «يكبر بطني مثل بقية النساء» مباشر ومسطح، لا يحمل دلالة شعورية عميقة. بدلاً من تصوير الحزن أو القلق من العقم بأسلوب أكثر تفاعلية، تم تقديم الفكرة بأسلوب جاف يفتقد إلى البناء العاطفي.

علاقتها بزوجها مراد تُختزل في أوصاف نمطية سطحية:

• («مراد الذي كان الهمس حوله لا يتوقف حتى بعد أن يتوارى ظله، بل يتحول إلى نظرات غيرة أو إلى ضحكات مكتومة» ص396).

رغم محاولة الخطاب الروائي تقديم مراد كشخصية مثيرة للجدل، إلا أن الفعل «يتوارى ظله» لا يضيف بعدًا حقيقيًا إلى السرد، بل يبدو كزخرفة لغوية غير مؤثرة. الأوصاف «نظرات غيرة» و«ضحكات مكتومة» تظل مبهمة، فلا نعرف كيف تؤثر هذه التلميحات على فاطمة أو كيف تتفاعل معها.

ب- تقديم الآخر: ما حليمة تقدم دلشاد

ما حليمة تقدم دلشاد بطريقة لا تخلو من التحيز والتصنيف العرقي:

• («لا أعرف أي امرأة كانت فضيلة بنت بطي، لكنني لن أغفر لها ما فعلته بذلك الطفل، كان قد تعلم المشي لتوه، فصار يتبعها مترنحًا على حجر الوادي، عاريًا لا تستره حتى خرقة بالية» ص13).

يُلاحظ أن السرد هنا يعتمد على استثارة العاطفة بطريقة مباشرة ومبالغ فيها؛ فالأوصاف مثل «مترنحًا» و«عاريًا» تكرس صورة نمطية للمعاناة دون أن تتيح مساحة لفهم شخصية دلشاد بحد ذاتها. القارئ يُدفع قسرًا إلى التعاطف دون أن يُترك له مجال لاستنتاج ذلك بنفسه من خلال مشاهد أكثر تفاعلية. كما أن الإشارة إلى النسب العربي من خلال ذكر «بنت بطي» تخدم سردًا عنصريًا، حيث يتم تمييز الأنساب العربية عن غيرها، مما يعكس انحيازًا في الخطاب الروائي.

يعتمد السرد على تكرار المعلومات دون تقديم تنوع في الصياغة، مما يجعل النص رتيبًا ومباشرًا بلا عمق.

يتم استخدام تعبيرات مثل «تثقلت ضحكتي» و«يتوارى ظله» التي لا تضيف شيئًا للسرد سوى محاولة إضفاء طابع أدبي غير متماسك.

يظهر التمييز اللغوي بين الشخصيات العربية وغير العربية، مما يجعل الرواية تحمل خطابًا عنصريًا غير معلن.

بدلاً من بناء مشاهد حسية تُشرك القارئ، يعتمد النص على جمل تقريرية مباشرة، مما يقلل من التأثير العاطفي والدرامي.

ملاحظات على بنية تقديم الشخصيات:

1. كل الشخصيات لها وجود مستقل، وليست تابعة للأحداث.

2. مواقف الشخصيات عامة أو نمطية.

3. مواقف الشخصيات مبنية على إمدادنا القراء بمزيد من المعرفة عن تلكم الشخصيات، أو تقديم شخصيات جديدة.

4. لا ينبني على الحدث أي تطور داخلي أو تغير نفسي للشخصيات، ولا يكشف لنا عن أية صفة جديدة للشخصيات.

5. تظل الشخصيات ثابتة على حالة واحدة، حتى ولو انتقلت من مكانها، تعود إلى حالتها الأولى.

6. شخصيات الرواية مسطحة، لأنها منذ بداية ظهورها تكون مكتملة وثابتة.

7. معظم شخصيات الرواية تقدم نوعًا واحدًا من رؤية الحياة (الفقر، الجوع، الاستعباد، الازدراء، العنصرية).

8. الأحداث تظل تدور حول الشخصيات، وتظهر متى ما ظهرت الشخصية، وتختفي متى ما اختفت.

9. لغة الشخصيات غير متوافقة مع ثقافة الشخصية، فتجد أن الشخصيات تتكلم بلغة فوق مستواها التعليمي والاجتماعي، وبصيغ لا تناسبها.

10. اللغة التي تعبر بها الشخصيات عن مكنوناتها ليست لغة عصرها، بل هي تتكلم بلغة القرن الواحد والعشرين.

11. عند تقديم الشخصيات لشخصيات أخرى، تتكرر الأحداث في معظم الأحايين دون فائدة جديدة، كأننا ندور في حلقة مفرغة من الأحداث.

عنصرية الخطاب في رواية دلشاد

تُبرز رواية «دلشاد» تمايزًا واضحًا بين فئات متنوعة في أصولها القبلية، وهو تمايز مختلق ليس له أرضية حقيقية في واقع المجتمع العماني، وتُركّز الرواية على إبراز التنافر الإثني بين مكونات المجتمع كصراع متخيل، مما يكرّس الانقسامات الإثنية بدلًا من التعايش الوطني والثقافي السائد في مسقط خلال الفترة التاريخية التي تدور فيها الرواية.

يفتقر النص الروائي إلى استخدام المصطلحات الجامعة مثل «عماني» أو «المسقطي»، ويركّز بشكل حصري على الإثنيات، رغم أن الفترة الزمنية التي تغطيها الرواية (الخمسينيات والستينيات) كانت تسمى فيها البلاد بـ«سلطنة مسقط وعمان»، إلا أن الرواية تتجاهل هذه الهوية الجامعة لصالح الإثنيات، وهذا التجاهل يعكس خطابًا يميل إلى تعميق الانقسام وإظهار المجتمع المسقطي وكأنه يفتقد للهوية الوطنية المشتركة، وهو أمر يتناقض مع الواقع التاريخي المعروف بالتجانس والتعايش.

تُركّز الرواية بشكل خاص على البلوش دون تبرير واضح لهذا الاختيار، وتظهر اللغة العنصرية في الخطاب الروائي ضدهم من خلال مجموعة من المغالطات المتوهمة، مما يعكس نظرة دونية، وتعرّض رواية «دلشاد» بأصول بعض الشخصيات غير العربية في مسقط، كأداة لتعزيز الخطاب العنصري، من خلال إرجاع أصول هذه الشخصيات إلى خارج عمان/ مسقط، وتصويرهم على أنهم غرباء غير مرغوب فيهم، وهذه النظرة النمطية تسهم في خلق هوة بين الشخصيات العربية والشخصيات الأخرى، وتبرر معاملتهم بعنصرية وفوقية.

هذه صورة من صور العنصرية داخل الخطاب الروائي، ولغة تفرقة ظهرت واضحة في بنية الرواية.

تغريب الهوية:

تتعامل رواية دلشاد مع أصول بعض الشخصيات غير العربية في مسقط كأداة لتعزيز الخطاب العنصري، حيث تُرجع أصولهم إلى خارج عمان وتصورهم كغرباء غير مرغوب فيهم، وتسهم هذه النظرة النمطية في تعميق الفجوة بين الشخصيات العربية وغير العربية، مما يبرر معاملتهم بفوقية وتمييز، كما تربط الرواية بين أصول هذه الشخصيات وصفات سلبية، مما يعزز إحساس التفوق لدى الشخصيات العربية.

تُظهر الرواية كيف أن التمييز يتجسد في ربط أصول الشخصيات بصفات سلبية مثل «التخلف» أو «الجهل»، بينما يُمنح الشخصيات العربية الصفات المتفوقة اجتماعيًا، وهذه التفرقة تصبح واضحة في طريقة تعامل الشخصيات مع بعضها البعض، مما يبرز العنصرية ضمن الهيكل الاجتماعي المُصور في النص، ويمثل هذا الطرح شكلًا من أشكال العنصرية داخل الخطاب الروائي، حيث تتجلى لغة التفرقة بوضوح في بنية السرد.

تقسيم المجتمع المسقطي

تظهر الرواية وكأنها تقسم المجتمع المسقطي على أساس عرقي، كما في قول دلشاد: «ولدت داخل خيمة، على الضفة الشرقية لحافة الوادي الكبير، وكبرت في ظل خيمة أخرى على الضفة الغربية منه» (ص9). تكرار «خيمة» و«الضفة» يفقد الجملة رونقها، وكان من الأفضل استخدام صور أكثر دقة تعكس تنوع التجربة الشخصية.

وفي قوله: «سأنتقل للعيش مع ما حليمة، وسأتزوج نورية وسأصبح بلوشيًا مثلهم» (ص10)، نجد غموضًا في العلاقة بين العيش مع حليمة، والزواج من نورية، والتحول إلى بلوشي، مما يجعل الجملة غير مبررة سياقيًا.

كما يرد في النص: «حارتنا التي يسكنها اللوغان حارة صغيرة، لا تفصلها عن حارة خلالوه التي تقابل طوي النل إلا قلعة الراوية، وعن حارة البلوش» (ص37)، حيث تبدو الحارات مقسمة وفق انتماءات إثنية، رغم أن هذا التقسيم لم يكن له وجود في الواقع المسقطي.

ويؤكد ذلك أيضًا: «وإلا لاقى عقابًا وتشهيرًا في الحارات، وكان ذلك بمثابة عرف بين صيادي الحصينيات من جميع الحارات، وخاصة العرب» (ص39)، حيث تشير عبارة «وخاصة العرب» إلى خطاب تمييزي غير مبرر.

لكن الخطاب الروائي في واقعه صنع هذا التقسيم المزعوم والموهوم؛ لتقديم صور أخرى من صور العنصرية في خطابها، وهناك أمثلة كثيرة على هذا الواقع الروائي العنصري المأزوم سرديًا.

التمييز في المهن كصورة

من صور العنصرية

تظهر العنصرية في رواية دلشاد عبر إلصاق الوظائف المهينة بالشخصيات البلوشية، حيث يُصورون كحمالين، وزبالين، وخدم، وباعة متجولين، مما يعزز التمييز الطبقي ويكرس صورة نمطية سلبية.

«كان عيسى يعمل حمالًا في السوق، وكان حسين يجمع القمامة، فيدور على حارات بطن الوادي قبل الفجر، فيلتقط القاذورات وبقايا السمك المرمية وراء الخيام» (ص21). لا يقتصر التصوير على طبيعة العمل، بل يُبرزها بشكل مزرٍ عبر مشهد كريه الرائحة ومرهق جسديًا، مما يرسخ ارتباط البلوش بالمهن المتدنية فقط. «أما أنا، أصغرهم، فكانت ما حليمة تكلفني بتوزيع حليب البقر الذي تشتريه من عند البانيان» (ص21). وهكذا صرت خادمة البيبي الخاصة، «تفعل لها كل شيء، دون كلام أو ضحك، دون اعتراض، ودون حتى أن ترفع رأسها»، استخدام هذه العبارات يظهر الشخصية وكأنها بلا كيان أو كرامة، مما يعكس نظرة استعبادية تخلو من الإنسانية.

«كبرت واشتغلت في كل شيء، خباطًا في سوق السمك، عتالًا في خور بمبه، عامل مقهى عند باب السوق، بياع حل تراب عند نازيمويه، بناءً في حارة الجبل، زبالًا في جبروه، سقاء في جيدان» (ص380). الخطاب الروائي حصر الشخصيات البلوشية في المهن المتدنية، وكأنهم لا يصلحون إلا لها.

وتقول فاطمة لولاه بلغة أدبية راقية، وكأنها خريجة جامعة عريقة: «فيجدوني في بيت ماستر علي، حيث يعرف الجميع أني أخدم هناك من الضحى حتى صلاة العصر، أما من بعد العصر فكانوا يجدوني في خيمتي قرب المزابل في جبروه» (ص395). يبرز هنا تناقض واضح، فبينما تعمل في مهنة متواضعة، يُمنح سردها طابعًا لغويًا نخبويًا، مما يثير تساؤلات حول دقة التمثيل السردي.

صورة مسقط في رواية دلشاد

تصوّر الرواية مسقط كمدينة موبوءة ومكتظة بالهموم: «وأعرف حالة حارات مسقط التعيسة الخاملة وشبه الخالية في ذلك الزمان، أشباح البشر الذين يمضون في مسقط وكأنها مقبرة، نباح قطعان الكلاب الهزيلة، رائحة القمامة وأسراب الذباب التي تغطي كل شيء» (ص53).

«ومسقط لا تكاد تخرج من حرب إلا إلى حرب، وما بينهما ثورات قبائل وانقطاع مطر وقحط» (ص109). الرواية تصور مسقط كمدينة غارقة في الصراعات والفوضى، لكن هذه الصورة تتناقض مع الواقع التاريخي، فلم تكن مسقط معروفة بالحروب القبلية المستمرة، بل كانت مركزًا تجاريًا وثقافيًا مزدهرًا.

واستمر الخطاب الروائي في تقديم صورة مشوهة لمسقط، مركّزًا على البؤس والدمار، متجاهلًا دورها التجاري والثقافي، وهذا الطرح لا يعكس الحقيقة، بل يهدف إلى تكريس صورة المدينة كموطن للفوضى، وهو ما يتنافى مع واقعها التاريخي والاجتماعي.

خالد عثمان كاتب وقاص عماني

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق