المعلمون الأوَل - ستاد العرب

0 تعليق 0 ارسل طباعة تبليغ حذف

مرت عدة أيام مذ احتفلنا بيوم المعلم، وإذا ما تساءلنا عن معاني الكلمة يجيبنا أحمد مختار عمر صاحب معجم اللغة العربية المعاصر بقوله «مُعلّم: مَن مهنته التّعليم دون المرحلة الجامعيَّة (أما فـي المرحلة الجامعيّة فـيُسمّى مدرِّسًا أو أستاذا)». يمثل هذا التعريف بذرة شاملة لكل عائلة فـي العالم، فالمعلمون الأُوَل فـي كل بيت، هم أمهاتنا وآباؤنا الذين وضعوا اللبنة الأولى فـي حياتنا ورؤيتنا المنطقية للأمور وقياسها، وهذا الأمر ليس مقتصرا على ثقافتنا العربية التي تعلي من شأن العائلة وأهميتها فـي تنشئة النشء وصنع الأساس الأخلاقي والعملي لحياتهم الآتية، إنما هو شأن عالمي مما اتفقت الحضارات والأمم عليه.

تجف الأقلام فـي الكتابة عن الوالدين ومن يقوم مقامهما من الأجداد فـي حضور وغياب الوالدين، وليس من السهولة بمكان الكتابة عن موضوع كهذا، فالأبوان وإن كانا لم يتعلما التعليم النظامي، أو لا يعرفان القراءة والكتابة؛ إلا أنهما يبذلان لأطفالهما عُصارة العصارة من حياتهما وتجاربهما النافعة لهم. وهما يجسدان المعنى الحقيقي للفداء، فلو وصل الأمر بهما لأن يبذلا أرواحهما فداء لأبنائهما، لفعلا ذلك برأس مرفوع وهما يواجهان المصير الذي لا رجعة فـيه.

أتذكر طفولتي المبكرة فـي المزارع والحقول برفقة أبويَّ ومن كان حيا من أجدادي حينها، أتذكر الدروس والعبر التي لم أفهم كثيرا منها إلا حين كبرت ومارست الحياة. فحين نكبر، تتكرر المواقف التي حصلت لآبائنا، وكأن البشرية رغم تطور التقنية والآلية، تصر على تكرار أخطائها فـي حلقة مفرغة يتوصلون فـيها للأسباب التي أدت بهم إلى النتائج المتطابقة مرة تلو أخرى، ليس حين يكون الأمر قابلا للإصلاح؛ بل حين يصيح المرء «سبق السيف العذل» ويكتشف بأنه فـي الصيف ضيع اللبن.

فحين يستيقظ المرء بغتة على الخبر الصاعق بفقدان أحد والديه أو كليهما، يبكي لأنه لم يكن يعلم قيمة ما كان يملك حينها. أتذكر ساباتو فـي كتابه «الممانعة» وهو يحكي قصة جدته، أتذكر العقاد وهو يتحدث عن المرء الذي يتغير فكره وتعامله مع الآخرين فـي كل مرحلة عمرية، وأتذكر أننا نقتبس هؤلاء لا لأنهم عاشوا شيئا استثنائيا لا نستطيع عيشه، بل لأنهم قالوا ويقولون ما نفهمه بفكرنا، وتقصُر ألسنتنا وأقلامنا عن قوله ووصفه وتوصيفه. فأنا أفهم المثل السائر «وراء كل رجل عظيم امرأة» بأنها ليست الزوجة فحسب، بل الأم والجدة والخالة والعمة، كل هؤلاء كانوا ولا يزالون أساتذتنا فـي الحياة. وإذا ما أردنا أن يكون القول فـي هذه المسألة علميا، فلينظر المرء إلى علاقة الإنسان بأبويه ومن رباه بتكوين شخصيته وتصرفاته واعتقاداته إلى أن يموت. وهذا ليس قولي الذي ابتدعته ابتداعا؛ بل هو قول علم النفس والدراسات فـي هذا الحقل التي تؤكده يوما بعد يوم.

التعليم والمعلم ليسا شيئا إحصائيا وأرقاما نشير إليها ونستعرضها كما نستعرض الأسهم فـي سوق البورصة والمال، بل هما شيء لا ينفك عن الروح وتهذيبها وصقلها، شيء يرتبط بالوجدان ويتعلق به مباشرة. ولنتوقف هنيهة لنتذكر طفولتنا المبكرة، هل نتذكر أننا أخذنا الدرس الفلاني أو المعلومة الفلانية فـي الصف الدراسي كذا وكذا؟، أم أننا نتذكر معلمينا بأفعالهم وأقوالهم وصفاتهم التي لا تبدو علمية حين نقيسها بمقياس الربح والخسارة والمضاربة الرقمية والإحصائية؟ فأنا أتذكر جدتي حين اعتذرت عن غضبها وانفعالها عليّ لفعلٍ كان يستدعي الغضب لحماقة الصبي الصغير وقتها، وهناك تعلمت أن الاعتذار لا ينقص من قيمة المرء ولا علاقة له بعمر المرء أيضا، بل هي قيمة سامية ينبغي أن يتحلى بها المرء. ومثلها الكثير من المواقف والأحداث التي لا تقتصر على العائلة فحسب، بل تمتد للمعلمين فـي المدرسة والقرية ومجالس الرجال.

لا يسعنا الحديث عن المعلمين الأوائل دون أن نذكر أبيات الشاعر الكبير حافظ إبراهيم، ولكأنه اختصر المسألة برمتها وأعجز الشعراء بعده حين قال:

الأُمُّ مَدرَسَةٌ إِذا أَعدَدتَها

أَعدَدتَ شَعباً طَيِّبَ الأَعراقِ

الأُمُّ رَوضٌ إِن تَعَهَّدَهُ الحَيا

بِالرِيِّ أَورَقَ أَيَّما إيراقِ

الأُمُّ أُستاذُ الأَساتِذَةِ الأُلى

شَغَلَت مَآثِرُهُم مَدى الآفاقِ

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق