تأثير تصاعد النزعة الشعبوية في الدول الغربية - ستاد العرب

0 تعليق 0 ارسل طباعة تبليغ حذف

د.جاسم المناعي*

تصدرت مؤخراً الأحزاب الشعبوية الألمانية الانتخابات الأخيرة بشكل كبير حيث حصل حزب المحافظين على أكثر من 29% وحزب البديل على 20% من الأصوات وهذه النسب تعتبر مرتفعة تاريخياً في ألمانيا. طبعاً وقبلها عاد ترامب مجدداً إلى رئاسة أمريكا بما عرف عنه من نزعة قومية متشددة ليس فقط على صعيد السياسة الداخلية ولكن أيضاً على صعيد العلاقات مع دول العالم. المشكلة في الأمر أن هذه الأحزاب الشعبوية آخذة في الانتشار ودورها في تصاعد مستمر، الأمر الذي يبعث على القلق وكثير من التحوط والحذر.
هذه الظاهرة الشعبوية أصبحت تنتشر بشكل واضح في الدول الغربية حيث إن الأمر لا يقتصر على أمريكا بل إن هذه النزعة موجودة في الدول الأوروبية بدأ بالمجر وفرنسا ومؤخراً في ألمانيا وفقاً لنتائج الانتخابات الأخيرة.
ومن المتوقع أن تتكرس أكثر في الانتخابات الفرنسية القادمة حيث احتمالية وصول حزب اليمين المتطرف إلى السلطة كما يبدو أمراً أقرب إلى الواقع. هذه الأحزاب الشعبوية سواء في أمريكا أو أوروبا تجمعها أهداف مشتركة تتمثل في الغالب في تبنّي سياسات قومية تقوم على نبذ الهجرة والمهاجرين واتباع سياسات اقتصادية حمائية من خلال رفع الرسوم الجمركية والحد من حرية حركة التجارة والأفراد. ويمكن أن نتبين ذلك من خلال الإجراءات التي اتخذها ترامب منذ وصوله للمرة الثانية إلى السلطة، حيث بدأ بحملة تهجير لكثير من الوافدين من أمريكا الجنوبية كما شرع في فرض رسوم جمركية مرتفعة على واردات أمريكا من كل المكسيك وكندا والصين. إذ إنه يعتزم كما يبدو فرض رسوم إضافية على واردات أمريكا من دول الاتحاد الأوروبي. إن مثل هذه الإجراءات من شأنها أن تؤدي إلى حروب تجارية تضر بحركة التجارة والنمو الاقتصادي العالمي.
إن تداعيات مثل هذه الإجراءات تتجاوز هذه الأمور إلى ما هو أبعد من ذلك، حيث إن مثل هذه الإجراءات من شأنها أن تعيق مسيرة العولمة التي استفادت منها دول كثيرة من العالم وخاصة الدول النامية. هذا، كما أن مثل هذه الإجراءات الحمائية من شأنها رفع وزيادة الأسعار وبالتالي عودة التضخم كذلك، وحسبما تشير بعض التقديرات فإن رفع الرسوم الجمركية من شأنه أن يضعف القدرة التنافسية للصناعات المحلية. ووفقاً لبعض الدراسات فإن رفع الرسوم الجمركية بمقدار10% من شأنه أن ينعكس في شكل ضعف الإنتاجية المحلية بنسبة تتراوح بين 25% إلى 35%.
إن استفحال وتصاعد النزعة الشعبوية لا تقتصر تداعياتها فقط على تراجع وتيرة العولمة وارتفاع الأسعار وعودة التضخم، بل الأهم من ذلك هو خطورة النزعة القومية التي في حد ذاتها لا تقف عند حدود معاداة الهجرة والمهاجرين، بل هي تمثل تهديداً خطيراً لبعض التجمعات الإقليمية وخاصة فيما يتعلق بالاتحاد الأوروبي الذي مع تزايد هذه النزعة القومية يكون معرّضاً للانقسام والتفكك. وكما نتذكر فإن بداية هذه المؤشرات ترجع إلى تاريخ خروج بريطانيا عن التجمع الأوروبي.
وحتى بعد خروج بريطانيا فإن بقية أعضاء الاتحاد غير متجانسين، فالمجر على سبيل المثال تنفرد بسياسات ومواقف ليست دائماً متطابقة مع سياسات الاتحاد الأوروبي بالرغم من أنها عضو كامل العضوية في هذا الاتحاد. والآن وعلى ضوء نتائج الانتخابات الألمانية الأخيرة فإنه من غير المستبعد أن تتخذ ألمانيا مواقف وسياسات قد لا تنسجم بالضرورة مع سياسات الاتحاد الأوروبي.
الانتخابات الفرنسية القادمة قد تكرس أيضاً هذا الانقسام، حيث احتمالية وصول حزب اليمين المتطرف إلى سدّة الحكم من شأنه أن يجعل فرنسا تبتعد أيضاً في نهجها السياسي من مقتضيات الاتحاد الأوروبي. كل هذه التطورات والتقصير عما التزمت به سابقاً من شأنها بالطبع أن تضعف من موقف وتماسك الاتحاد الأوروبي، هذا إذا لم تؤدِّ إلى حالة من التفكك والانقسام.
إن تداعيات انتشار الأحزاب الشعبوية في الدول الغربية لن تقتصر على هذه الدول فقط، ولكن سوف تنسحب بشكل أو بآخر على بقية دول العالم.
ولذلك فإن التساؤل يثار حول نوع المواقف والسياسات التي تحتاج الدول الأخرى إلى انتهاجها في مواجهة هذه التطورات ومقاومة هذا المد الشعبوي، الذي لن تقف آثاره عند حدود الدول الغربية نفسها، بل قد تطول مصالح كثير من دول العالم.
* الرئيس السابق لصندوق النقد العربي

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق